بات المغرب محط اهتمام المجتمع الدولي في مجال التعاون الأمني، ولعل مكانته في هذا المجال لم تكن لتظهر جليًّا قبل الأزمات الدبلوماسية الأخيرة مع بعض دول الاتحاد الأوروبي. فقد صرح بعض المسؤولون علانيةً بكون المغرب حجر أساس في الاستقرار الأمني بالمنطقة، مثل وزير الدفاع الإسباني الأسبق، خوسيه بونو، الذي عد «المغرب بلدًا مهمًا وشريكًا أساسيًّا لإسبانيا في المجال الأمني، ولا يمكن الاستغناء عنه أبدا».

في حين أن ألمانيا أضحت منزعجة جدًّا من النقاط الذي يحرزها المغرب في الحقلين السياسي والاقتصادي، وذلك في دراسة سرية أجراها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية سنة 2020، وتم نشرها في الشهور القليلة الماضية، أثارت خلالها الباحثة إيزابيل فيرنفل انتباه دول الاتحاد الأوروبي إلى التقدم الذي يحققه المغرب اقتصاديًّا وأمنيًّا، ساحبًا البساط من تحت أقدام جيرانه بشمال أفريقيا وحاصرًا اختيارات الشركاء في خيارٍ واحد مفضل ألا وهو المغرب. وقد دعا التقرير الذي جاء في فترة من التوترات الدبلوماسية بين ألمانيا والمغرب، إلى عدم تفضيل المغرب شريكًا وحيدًا، وكبح طموحاته بتنويع العلاقات وجعلها ثلاثية من أجل تعزيز مكانة تونس والجزائر أيضًا.

إن تميُّز المغرب في مجال التعاون الأمني، يُعزى إلى عدة نقاط استغلها بعناية وتأنٍّ في الوقت نفسه، أولها موقعه الجغرافي المتميز، بوصفه بوابة أفريقيا نحو القارة الأوروبية، هذه البوابة التي تعد قطب الرحى في قضية الهجرة السرية نحو القارة العجوز وورقة رابحة على طاولة المفاوضات. ولكن هذا الموقع على الخريطة لم يكن لينفع وحده، دون أن يعزز بإستراتيجية استباقية في تدبير المخاطر، اعتمدها المغرب منذ عقود، جعلته يشكل حالة استقرار استثنائية بالمنطقة المتوسطية، خصوصًا بعد ثورات الربيع العربي. ولعل المغرب كان من الدول الرائدة في مواجهة التطرف والإرهاب من خلال سياسة عمومية بعيدة المدى في مجال الأمن الروحي، أضحى المغرب مثالًا في تنزيلها قاريًّا. ولكن كيف تمكن المغرب من وضع أسس هذه السياسة؟

لقد أسس دستور 2011 للمملكة المغربية، دعامات الأمن الروحي بالمغرب من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين التي تشكل نواة للهوية والثقافة المغربيتين، هذه البصمة الثقافية والهوية الدينية اللتان كان من الصعب على الاتحاد الأوروبي فهمها، في حين كان المغرب يتقلد مسؤولية حمايتهما على مر الدساتير بوصفهما من خصائص ودعامات الوحدة الترابية، فجعلهما أساسًا للنظام العام بالدولة، ووسيلة للربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

إن إستراتيجية المغرب في الحقل الروحي ليست وليدة اليوم، بل تتجذر عبر ثمانينيات القرن الماضي، نوعًا من الدبلوماسية البديلة أو الموازية، لتعويض غياب المغرب عن الاتحاد الأفريقي آنذاك، وقد تطورت هذه الإستراتيجية شيئًا فشيئًا لتتجاوز النطاق الديني الروحي المرتكز على المنهج الصوفي ذي الحضور القوي في دول جنوب الصحراء، إلى قناة لإنعاش حضور المغرب قاريًّا، من خلال خلق فرص للتعاون في مجالات حيوية عابرة للحدود الوطنية، وتعبئة فاعلين حكوميين وغير حكوميين جدد لتعزيز هذا الحضور. ولعل الانخراط المتزايد لدول جنوب الصحراء في إستراتيجية المغرب الدينية الجديدة، والدينامية النشيطة لمؤسسة إمارة المؤمنين في المنطقة، لدلائل قوية على نجاح استثمار هذه المقاربة الأمنية في السياسات الخارجية بعد نجاحها على المستوى الوطني.

إن المغرب يعزم من خلال إستراتيجيته في الأمن الروحي إلى تحقيق مقاربة وقائية واستباقية لحماية الأمن القومي للمملكة، من خلال فهمٍ دقيقٍ لشبكة الإسلام التقليدي بالمنطقة الأفريقية والأورو متوسطية، وصد كل مظاهر التطرف الديني، ومن ثم الانتقال من عملٍ ديني مناسباتي ذي نزعة دفاعية، مرتبطة بردة الفعل، إلى إستراتيجية دينية، تسعى إلى توظيف الإرث الروحي المغربي-الأفريقي المشترك، من أجل السعي إلى الزعامة الدينية بالقارة الأفريقية، والتي لن تكون سهلةً أمام المنافسة الشرسة من طرف مرجعيات دينية ذات الصلة بقوى إقليمية أخرى من قبيل مصر والجزائر وبعض دول الخليج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد