يصادف يوم الثامن عشر من كل سنة ذكرى استقلال المملكة المغربية من براثن الاحتلال المزدوج الفرنسي والإسباني، استقلال أحيا المغاربة هذه السنة ذكراه الثانية والستين مستحضرين ملاحم الدفاع والمقاومة الباسلة لدحر المستعمر الغاشم.

 

المغرب بداية القرن العشرين.. أرضية خصبة للاستعمار

شكلت نهاية القرن التاسع عشر وبزوغ شمس القرن العشرين بداية انهيار الأوضاع الداخلية للمغرب وتفاقم مشاكله، فبعد وفاة المولى الحسن الأول سنة 1894، انفرد الوزير أحمد بن موسى بمقاليد الحكم نيابة عن السلطان عبد العزيز الذي لم يكن قد أتم بعد سنوات رشده، وبعد وفاة الوزير مطلع القرن الجديد، فتح باب السلطة على مصراعيه في وجه السلطان عبد العزيز الذي لم تتم تهيئته بالشكل المطلوب واللازم لاستلام عرش أسلافه في هكذا سن مبكر.

هكذا إذن وجد السلطان الشاب نفسه أمام مهمة جد صعبة لاحتواء مشاكل المملكة، الداخلية منها والخارجية اللامتناهية والعميقة، خاصة تلك الهزيمة المدوية للمملكة في معركة إيسلي سنة 1844 أمام الجيش الفرنسي، التي ترتبت عنها شروط قاسية خرجت بها معاهدة «لالة مغنية» الشهيرة التي مهدت واستبقت بها فرنسا تغلغلها الاستعماري في المغرب؛ بتجنبها رسم الحدود الجنوبية الشرقية بين المغرب والجزائر المحتلة وقتها.

أما عن الأوضاع الداخلية، فقد أنهكت «ثورة بوحمارة» خزينة الدولة وتسببت في فقر مالية الدولة وسقوطها في يد الأجانب، حيث استنزفت هذه الثورة الكثير من مال المملكة وجهدها لإخمادها، واضطرتها إلى اللجوء إلى الاقتراض لسد النفقات، ناهيك عن حالة الفوضى التي عاشتها البلاد بسبب هذه الثورة التي انتحل فيها «بوحمارة» شخصية المولى محمد أكبر أبناء المولى الحسن وأخي السلطان عبد العزيز الأكبر، وجمع بها حوله جحافل المناصرين قبل انهزامه أخيرًا وإعدامه.

تهافت الإمبريالية حول المغرب

أبرم المغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر عدة معاهدات مع أهم القوى الإمبريالية الأوروبية آنداك، أهمها معاهدته مع بريطانيا سنة 1856، مع إسبانيا سنة 1861 ومع فرنسا سنة 1863، معاهدات منحت الأوروبيين امتيازات اقتصادية وقضائية وجبائية مهمة في المغرب، مما انعكس سلبًا على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ورفع من درجة الحضور الأوروبي في المغرب، خاصة بعد مؤتمر مدريد سنة 1880 الذي خرج بقرارات، كان أهمها تعزيز الحماية القنصلية، ومنح المحميين امتيازات، منها عدم الخضوع للقانون المغربي، وبالتالي عدم أداء الضرائب.

أدى تهافت القوى الاستعمارية على المغرب إلى التغلغل الرأسمالي الأوروبي في البلاد وإفلاس الحرفيين المغاربة، ناهيك عن هبوط العملة المحلية، عجز في الميزان التجاري، غزو العملات الأجنبية للسوق والسقوط في مخالب الاقتراض.

مهدت فرنسا الطريق لاستيلائها على المغرب بإبرامها العديد من الاتفاقيات مع القوى الاستعمارية، فاعترفت سنة 1902 بمصالح إيطاليا في ليبيا مقابل اعتراف إيطاليا بمصالح فرنسا في المغرب، أتبعه الاتفاق الودي مع بريطانيا سنة 1904 الذي رحب بسيطرة بريطانيا على مصر مقابل حرية تصرف فرنسا في المغرب، إضافة إلى اتفاقات مع قوى أوروبية أخرى.

بعد أن أصبحت القضية المغربية قضية دولية، عقد سنة 1906 مؤتمر الجزيرة الخضراء، الذي خرج بمجموعة من القرارات تمس سيادة المغرب، وتوسع من صلاحيات التغلغل الأوروبي فيه.

وفي سنة 1908، بويع مولاي عبد الحفيظ سلطانًا بديلاً لمولاي عبد العزيز، وكانت بيعته مشروطة برفع الضرر عن المغاربة بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء، والحد من خطورة الحمايات الفردية، لكنه لم يستطع إجابة تلك الشروط؛ فاضطر إلى توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 لتبدأ مرحلة الاستعمار.

تقاسم الأراضي واستنزاف الثروات

بعد التوقيع على معاهدة الحماية سنة 1912، استولت إسبانيا على الجزء الشمالي والجنوبي للمغرب إضافة لمنطقة سيدي إفني، فيما استحوذت فرنسا على وسط البلاد.

هكذا بدأ المغرب مرحلة فقدان سيادته، حيث استولى على أراضيه واستنزف ثرواته الطبيعية لصالح المستعمر. تمت السيطرة على أخصب الأراضي الزراعية وطرد ملاكها وتوزيعها على المعمرين الفرنسيين،  كما احتكرت شركات أجنبية عملية التنقيب عن المعادن والطاقة، ناهيك عن تحكم الإسبان والفرنسيين في تجارة المغرب الخارجية.

كان لاستنزاف ثروات المغرب أثر سلبي على المواطن المغربي؛ حيث انتقلت ملكيته للأراضي إلى المعمرين الأوروبيين، وأهملت منتجاته التقليدية بسبب غزو منتجات الصناعة الحديثة للسوق المغربية.

نضال المغاربة من أجل الاستقلال

مباشرة بعد توقيع معاهدة الحماية، لم يستسغ المغاربة الأحرار استيلاء المستعمر الغاشم لأراضيهم، فخرجوا للدفاع عنها في مناطق مختلفة من البلاد حاملين السلاح ومقدمين تضحيات جمة في سبيل تحرير الوطن. كانت أولى حركات المقاومة بجنوب البلاد مع أحمد الهيبة بن ماء العينين، لكنها لم تعمر طويلاً، ولم تستنزف الكثير من المحتل؛ حيث تمكن هذا الأخير من هزيمة أبطال أحمد الهيبة في معركة سيدي بوعثمان سنة 1912 بسبب ضعف عدد جنود والمعدات الحربية.

حركة المقاومة الثانية كانت المقاومة في الأطلس المتوسط بقيادة موحا أو حمو الزياني الذي استبسل وجنوده في طرد المستعمر من مدينة خنيفرة سنة 1914، إلا أن القوات الفرنسية استرجعت سيطرتها على المدينة، ومع ذلك، واصل أبطال الأطلس المتوسط إثبات شجاعتهم إلى أن استشهد قائدهم سنة 1921.

أما أشرس حركة مقاومة في المغرب فكانت المقاومة الريفية ضد المحتل الإسباني في مرحلة أولى، وضد الاتحاد الفرنسي الإسباني في مرحلة لاحقة. تزعم المقاومة الريفية البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي قاد جنوده الشجعان إلى إلحاق سلسلة من الهزائم المتوالية بالمحتل الإسباني، آخرها معركة أنوال سنة 1921 التي تكبدت فيها إسبانيا خسائر بشرية ومادية لا تعد ولا تحصى. هزيمة أفقدت إسبانيا صوابها فباشرت قصف المدنيين في الريف بغازات سامة حصدت أرواح الآلاف من المغاربة دفعة واحدة، ما اضطر الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الاستسلام حقنًا للدماء ووقفًا لمعاناة سكان الريف من جحيم تلك الغازات السامة.

بعد فشل الحركة المسلحة في دحر الاستعمار، انتقلت المطالبة بالاستقلال لشكلها السياسي مع ظهور الحركة الوطنية، وهي حركة سياسية منظمة وواعية هادفة إلى إحباط المخططات الاستعمارية اعتمدت في عملها الوطني خلال الثلاثينات على عدة وسائل؛ كالعمل الصحافي والحزبي والجمعوي وتنظيم عدد كبير من المظاهرات.

قدمت الحركة الوطنية سنة 1944 عريضة الاستقلال بمساندة شعبية واسعة، لكن السلطات الاستعمارية قابلتها بحملة من القمع، مما أدى إلى رد فعل شعبي عنيف فقد المغرب على إثره العديد من الشهداء والمعتقلين والمعدومين.

كانت علاقة السلطان محمد الخامس بالحركة الوطنية وطيدة من خلال الاتصالات المتزايدة والتعاون بينهما، وبعد إقدام المستعمر على تنفيذ مؤامرة 20 أغسطس (غشت) 1953، وذلك بنفي محمد الخامس وتنصيب بن عرفة مكانه، انطلق الكفاح المسلح بقيادة أطر شابة مغربية غيورة على وطنها، وتزايدت العمليات الفدائية ضد الخونة والأجانب.

رضخ المستعمر لمطالب المغاربة، وبرجوع بطل التحرير محمد الخامس إلى أرض الوطن عائدًا من المنفى، تحصل المغرب مباشرة بعد ذلك على استقلاله يوم السادس عشر من نوفمبر (نونبر) سنة 1955.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد