ربما لن نبالغ لو قلنا إن المغرب كان ليتأثر كثيرًا بالأزمة الخليجية الحالية، لولا تبنيه الحياد الإيجابي بين أطراف الأزمة الأصعب في المنطقة منذ حرب الخليج الثانية. فدولة قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تجمعهم مع المغرب عدة اتفاقيات تهم جوانب اقتصادية وعسكرية، آخرها مشاركة المغرب في عملية عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية باليمن منذ أبريل (نيسان) 2015. وإن أي سياسة يتبناها لا ترضي أحد أطراف النزاع ستجر عليه مشاكل جديدة هو في غنى تام عنها.

لقد حقق المغرب مكاسب مهمة على عدة أصعدة مع دول الخليج في ظل وضع عربي متردٍ، ولم يكن مستعدًا للتخلي عن نجاحاته مع الدول العربية مقابل اتخاذ قرار متهور يتمثل في الانحياز إلى طرف على طرف في ظرفية تعرف توترًا شديدًا في المنطقة، وتمدد للمد الشيعي الإيراني الخطير، مهددًا داخل النظام الإقليمي العربي، ومنذرًا باحتقان سياسي سيعمق الخلافات الدائرة في المنطقة.

تنبه المغرب إلى سلبية الانحياز الذي سيدخله في قلب الأزمة؛ لذا كان الحياد الخيار الأمثل، وسيحافظ به على علاقاته الجيدة بدول الخليج. إن الخلاف بين أطراف الأزمة ليس في صالح المغرب بتاتًا، فهو يسعى لتطويق إيران بهذه الدول القريبة، وإيقاف تمددها الشيعي والسياسي الكبير في المنطقة،لقد أصبح يهدد الأمن الداخلي للمغرب، والأمن الروحي لبعض دول الخليج. السبيل الوحيد لاحتواء هذا الغول الإيراني هو تكاثف الجهود العربية في المنطقة، ومحاصرته رغم ضعف المؤسسات العربية التي تتخبط في مشاكلها المادية، وعدم قدرتها على ترجمة قراراتها على أرض الواقع في غياب واضح لمؤساساتها، وليس خفيًا على أحد صعوبة الموقف  العربي، وقوة إيران النافذة.

لم يتأخر جلالة الملك محمد السادس في طرح الوساطة بين المعنيين بالأزمة؛ لكنه فضل انتظار نتائج الوساطة الكويتية التي لم تنجح. ليتدخل الملك بعدها مباشرة، فالوقت في هذه المواقف من ذهب، إذ قام بزيارة رسمية إلى الإمارات العربية المتحدة وقطر للتباحث حول علاقات المغرب مع هذين البلدين، ويبدو جليًا وعلى ضوء المعطيات، أن هناك وساطة مغربية في الأفق القريب، خاصة وأن موقف المغرب واضح من خلال تبني موقف الحياد الإيجابي، ولدوره في مجلس التعاون الخليجي كعضو مراقب. إيجابيات ستخدم الوساطة المغربية، وستسرع ربما في حلها، نظرًا للعلاقات المتينة بين الملك محمد السادس، وباقي رؤساء دول الخليج.

مسارعة الزمن، وحل الأزمة، وتكاثف الجهود العربية، وخلق التعاون بينها طريق إيقاف المد الإيراني المرعب؛ لكن سياسات ولي العهد محمد بن سلمان الأخيرة والمفاجئة، قد تكون السبب في تعطل الوساطة المغربية، فالسياسات الداخلية للملكة العربية السعودية تنعكس على سياساتها الخارجية، وقد تكون غير محسوبة ومتوقعة لتزلزل بذلك وساطة المملكة المغربية، وتذهب أدراج الرياح. إن المملكة العربية السعودية ترغب في لعب أدوار كبرى في المنطقة كتركيا وإيران، وتريد أن تدخل في الصراع البارد بين المد الشيعي المتمثل في إيران، والمد السني المتمثل في تركيا. ولهذا تقوم بإعادة بناء بيتها الداخلي بقرارات لم تكن في حسبان أبرز المحللين. لن تفلح هذه الأخيرة في لعب هذه الأدوار باعتمادها على التعاون الواضح مع  الكيان الصهيوني، وربط علاقات به قد تخدمه هو ذاته لوحده، بل بضرورة المصالحة مع محيطها العربي أولًا، خليجيًّا ثم إقليميًّا.

إن الوساطة المغربية المصحوبة بالكتمان حتى لا يتم التشويش عليها وعرقلة هدفها، قد تكون أفضل من سابقتها الكويتية بقيادة أمير الكويت، بحكم البعد الجغرافي للمملكة المغربية عن الخليج، والعلاقات الشخصية للملك المغربي مع رؤساء الخليج، وعن تأييد فرنسا للمغرب، للقيام بدوره في رأب الصدع الخليجي، الذي بدون شك، تستثمره إيران وتركيا في إبراز نفسيهما كقوتين كبيرتين في المنطقة المكهربة. إنهما يشكلان خطرًا على المنطقة، فالغرض خنوع الدول العربية، وتنفيذ الأوامر لدولتين صاعدتين تبرزان على الساحة العالمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد