لقد كثُرت النظريات حول قيام وضع عالمي جديد بعد انقضاء مرحلة كوفيد-19. وبالتأكيد فالوضع الراهن سيحتم علينا ـ الدول العربية – أوضاعًا جديدة في نُظمنا الاقتصادية، الدينية والسياسية. لكن يَظل السؤال القائم، هل سيتعلم العالم العربي من الجائحة أم سيعود لنُسق الحياة نفسها ما قبلها، تاركّا بقية دول العالم وشعوبها تتكيف مع وضع عالمي جديد فارضة عليه هيمنتها من جديد؟ من المفترض أن جميع الدول النامية الأفريقية على العموم وتلك ذات تراث ديني سواء في شمال أفريقيا أو جنوب غرب آسيا بالخصوص، سيكون لها منظور مختلف لمستقبلها الاقتصادي، والسياسي، والثقافي بعد جائحة كورونا.

على سبيل المثال، يظل المغرب بصفته بلدًا من بُلدان شمال أفريقيا ذا الماضي الاستعماري، من أكثر دول المنطقة نموًّا، لكن هذا ودون العديد من التعثرات، سواء على مستوى نهجه الاقتصادي، الثقافي وخصوصًا الديني والسياسي. فَالمغرب الذي استقبل سيادة البابا حتفالية منه بالتعايش الديني والثقافي، هو نفسه الذي جرى فيه قمع وتعنيف إِحتجاجات قامت بها أطر طبية وتعليمية في العام الماضي. وهو نفسه من يجري فيه تضييق من حرية التعبير ومتابعة الصحافيين المستقلين وسجنهم  حاليًا (قضية متابعة  الصحافي عمر الراضي نموذجًا). وربما لا أحد من متتبعي الشأن المجتمعي والسياسي في البلد من لا يتذكر اليوم الذي ضرب فيه «مردة» – مصطلح بالدارجة المَغربية لرتبة عسكرية جد متدنية – دكتورًا مرموقًا في مجاله أثناء احتجاجات الأُطر الطبية التي شهدها المغرب العام الماضي. للأسف، وخصوصًا بعد نهج سياسة الحجر الصحي والتعلم عن بعد بالبلد لبقية السنة، يظل الأساتذة والعمال في قطاع الصحة هم من اعتمد عليهم المغرب في هذه المحنة إذا استثنينا قِوى الأمن التي سخرت هراواتها لإبقاء الناس في بيوتهم، والإعلام الذي وُظف لإقناعهم بذلك بتخويفهم إما من الفيروس أو الغرامات. علاوة على هذا، فالوضع الراهن جعلنا نوقن فعلًا بجدية وشرعية احتجاجاتهم في الماضي. لهذا ربما حان الوقت ليتدارك المغرب أهمية الأطباء والأطر التعليمية والتي يعامل «مغني الشعبي» و«الشيخة»، أو ما سميناهم بـ«الإلفنونسرز» أفضل منها إِعلاميًّا، بحيث يُحتفى بهم في القنوات الوطنية رغم دناءَة مستواهم الثقافي والتعليمي. وإذا كانت هذه الشخصيات هي المواد الإعلامية المعتادة بدل المثقف مثلًا، فهذا إما يؤكد أن مدة صلاحية المثقف في قضايا عصرنا قد انتهت، أو أنها لعبة إعلامية- سياسية لتمييع هذه القضايا وقولبة الرأي العام على شاكلة يغيب فيها تفكير نقدي قادر على تفكيك وفهم معاني وغايات الخطابات السياسية الموجهة إِليه.

وبالتأكيد فالمغرب أعطى المثال الخطأ بمنحه لأَوسمة فخرية لأمثال هؤلاء بدل مستحقيها. طبعًا إن الوضع ما بعد حداثي فرض حالة من التفاهة والاهتمام بالسطحيات والماديات في العالم بأسره، لكنه أيضًا إيجابي لأنه طرح علينا العديد من الاختيارات المتاحة لنختار منها مما يخولنا الاختيار بين ما هو جيد وسيئ، مفيد ومضر سواء كنا أفرادًا أم جماعات.

و بالتالي، إن لم يتعلم المغرب – سُلطة وشعبًا – من الوضع الراهن فقد تكون هناك عواقب وخيمة على كفاءَاته والتي قد تهجره دون رجعة. وبما أن التعليم والصحة هما القطاعان اللذَانِ نحكم بهما على مدى تقدم بلد معين، فهناك طريق طويل يجب على المغرب قطعه إذا كان يفكر في ربح رهان ما بعد كوفيد-19. وربما أول ما يجب فعله هو تجويد قطاع التعليم بكافة مستوياته وخصوصًا الجامعي قبل فوات الأوان. خطوة أولى، وَجب رفع ميزانية إنفاق الدولة على التعليم وبناء المزيد من مؤسسات التعليم خصوصًا الجامعات، وربما حان الوقت للتخلص من التبعية للمناهج الفرنسية ذات الإيديولوجيات الكولونيالية، وإحداث منهجيات مستمدة من القيم الوطنية والتاريخ واللغات المحلية، والتفتح على لغات التواصل حاليًا. و من جانب آخر، لا يعقل أن يحقق المغرب تقدمًا في هذا المجال إذا ما ظل إنفاقه على التعليم على حاله، سواء في المجال القروي والذي يخجل المرء من التكلم عنه، أو في المجال الحضري والذي فقد جودته مما سبب جل من يهتم بمستقبل أبنائه أن يزج بهم في مؤسسات التعليم الخصوصي، التي تهتم بتدريس اللغات والفنون والعلوم. وليس عيبًا أن تفوق ميزانية وزارة التعليم ميزانية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ وذلك للأهمية الملموسة للتعليم في تقدم الأمم.

ومن جهة أخرى، ما يزال العلم في المغرب مهملًا لصالح الدين والمعتقدات المحلية مما يفسر كيف أن العقل المغربي ما يزال يتقبل الخرافة ويؤمن بالشعوذة. فليس من الغريب أن يقصد شخص مريض خصوصًا على المستوى النفسي أحد مراكز الرقية الشرعية، والتي زاد عددها بشكل هائل مؤخرًا، إلى جانب المشعوذين والمتاجرين بآيات القرآن الكريم في العديد من المجالات، رغم علمانية وعلمية عصرنا. طبعًا العقل المغربي ما يزال يحكم بعاطفته في مسائل مثل هاته بدل تسليم الأمر للمنطق والعقلانية. لكن ربما طبيعة هذه الجائحة والتي لجأنا للمختبرات العلمية لإيجاد لقاحٍ وحلٍ لها، كفيلة في إعادة النظر في مثل هذه الأمور. هذه الجائحة أيضًا سبب رئيسي ليرفع المغرب من معدل إنفاقه على مختبرات البحث العلمي إن كان يفكر في ربح رهان المستقبل الذي سيتكلم بلغة العلم والابتكار. فالمغرب مثل بقية الدول العربية يتصدر مركزًا جد متأخر من حيث إنفاقه وكذا اهتمامه بهذا المجال منذ حصوله على الستقلال. ولا يُستغرب أن جل البرامج التلفزيونية الوطنية هي ذات طابع ترفيهي وديني أحيانًا بحيث من النادر عرض برنامج علوم ولو كان سطحيًّا في طريقة عرض مواضيعه. لكن يظل هذا هو الرهان ليس في المغرب فقط، بل في بقية الدول العربية أيضًا والتي يجب أن تصارح نفسها إذا كانت تأمل بمستقبل خارج التبعية الاقتصادية والسياسية بل حتى الثقافية، للدول الغربية بعد نهاية هاته الأَزمة.

ونتيجة للإهمال السالف ذِكره، يُفسَّر كيف أن جائحة كورونا كانت بمثابة صدمة للعقل المغربي، بحيث لم تنفع معه أعشاب ولا أَدوية تقليدية، مع العلم أن البعض خاله في الآونة الأولى ابتلاء إلهي يصيب الكفار فقط. ربما أكبر صدمة هو أن قطاع الصحة لم يكن مهيأ بتاتًا لمثل هذا التحدي خصوصًا من ناحية جاهزية المؤسسات الطبية وعددها وجودتها. شأنه شأن قطاع التعليم، هذا المجال هو أقل ما قد يفتخر به المغرب. لذا لا يتفاجأ المغاربة بسفر وزرائهم للخارج قصد العلاج بينما هم يعانون إما من نفقات العيادات الخاصة الضخمة، أو التضحية بصحتهم وحياتهم بقصدهم لمؤسسة طبية تابعة للحكومة. والسؤال ليس سؤال كفاءة، إنما اهتمام و إنفاق على هذا المجال لا غير. فيجب ألا نستغرب هجرة هذه الكفاءات ما دام أنها تؤجر أجرًا منخفضًا في ظروف عمل غير جيدة و مستشفيات غير مجهزة أصلًا. ومن استعصت عليه الهجرة، ينتقل للقطاع الخاص، حيث تُعطى له قيمة من المواطن لم يعهدها مع الدولة، لأنه ببساطة أصبح يُكلف أَكثر.

ومن الأشياء المؤكدة سياسيًّا واقتصاديًّا أن دول العالم الغربي ستخرج من هذه الأزمة غير قادرة على ممارسة هيمنتها على العالم كما كانت، والدول النامية أيضًا ستخرج من هذه الأزمة غير قادرة على تحمل هذه الهيمنة مدة أطول. فيظل الأمر عائدًا عليها بأخذ زمام التضحية والثقة بمواردها وكفاءاتها المحلية لتحقيق اكتفائها الذاتي والسير نحو تنمية ذاتها، وحل ومشاكلها السياسية والدينية. وفي الأخير، لا يجب أن نخجل من تأخرنا مقارنة مع الدول الغربية، فماذا نتوقع نحن دول العالم الثالث؟ لكن ما نفعله حاليًا لتغيير هذا الأمر من ناحية اهتماماتنا وتوجهاتنا هو ما يهم وهو ما سيضمن لنا ربح الرهان، فإن لم نربح الرتب الأولى، فعلى الأقل ربحنا كرامتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد