يشكل حزب العدالة والتنمية مادة غنية للبحث والتمحيص في علاقته باللعبة السياسية في المغرب، وخلاصة تجربته الممتدة، سواء عبر البرلمان في صفوف المعارضة منذ التسعينيات إلى حدود عام 2011، عندما انطلق في القيادة وحمل الأمانة في تسيير دواليب الحكومة والمؤسسات المرتبطة بها، وهذه التجربة المتشعبة والمبنية أساسًا على توجهات الإسلام السياسي، إضافة لتوظيف مآسي الأمة، ولعب لعبة المنقذ من الضلال والفقر والتهميش، وادعى السعي نحو العدالة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، واستراتيجيته الممثلة في المزاوجة بين كاريزما القيادة، وانضباط القاعدة، وسمعة البعد عن المال العام «قبل دخول الحكومة»، جعلته القوة الوحيدة التي تملك المشروعية في تصور أغلب فئات الشعب المغربي، وحظي بالتعاطف والهيام الذي لم يحظ به أي حزب، منذ عهد علال الفاسي وبن بركة أيقونتي النضال السياسي المغربي ضد الاستعمار وضد الاستبداد.

بداية الحزب كما يعرفها الجميع هي حين منحت السلطة الإذن لعبد الكريم الخطيب لاحتضان أبناء الحركة الإسلامية، ومنحهم حزبه ليشتغلوا في إطاره، بعيدًا عن العمل السري، وضمن قواعد النظام السياسي، وهذه الخطوة كانت محاولة للموازنة بين ثقل اليسار والمد الإسلامي الصاعد، بقيادة العدل والإحسان، التي شكلت صداعًا مزمنًا للدولة، إضافة إلى الحركات الجهادية التي لا تعترف بأي حكم إلا حكمها الخاص، ولا تأبه لإقامة أي مفاوضات، وكان تنظيم القاعدة وحركة الطالبان «التي تتلمذ على يدها كثيرون بمباركة الغرب حين كانت عدوًّا للسوفييت» هما النموذج المحتذى في ذلك الوقت، وهذه الحركة الاستباقية ستثمر بعد 20 عامًا حزبًا مواليًا في «جلباب معارض»، رغم المرحلة العصيبة التي عاشها الحزب في سنة 2003 حينما طالبت أجنحة قوية في السلطة بحل الحزب وتحميله المسؤولية السياسية والأمنية لهجمات الدار البيضاء الإرهابية، وهو ما حال رفض الملك دونه كما يردد بنكيران في كل حين، متجاهلًا أن هذه الحركة كانت، لا لأجل عيون بنكيران، وإنما لكي لا تتاح الفرصة للمتطرفين كي يستغلوا اختلال موازين القوى والفراغ في الساحة لشحذ آلاتهم الدعائية.

ورغم أن السلطة لم تحل الحزب ولم تطلق عليه رصاصة الرحمة، فإن نموه المتسارع وهيمنته التنظيمية وضعف الأحزاب الأخرى التي فقدت مشروعيتها جعلت الموازين تختل لصالح يتامى الأمس، الذين أبانوا عن أنيابهم أمام مدونة الأسرة بحركاتهم الاستعراضية ومظاهراتهم العارمة وتناغمهم الكبير مع العدل والإحسان في ملفات كثيرة، وضغطهم على المواقف السياسة الخارجية للمغرب في ملفات خالفوا فيها كثيرًا الخط الرسمي، وهو ما أطلق إشارات استفهام كبيرة من عواصم كالرياض، وأبوظبي، وواشنطن، وباريس، خصوصًا في مرحلة حرب العراق والموقف من الملف الفلسطيني، وعلاقة الحزب مع حركات إسلامية كالإخوان المسلمين، الذين يشكلون التنظيم الأم، وهذه العناصر مجتمعة أو متفرقة هي التي جعلت الدولة تفكر في طريقة لإعادة التوازن المفقود ووضع هذا الحزب في مكانه الطبيعي؛ أي على الهامش.

حين بدأت حركة لكل الديمقراطيين بقيادة فؤاد عالي الهمة «المعروف بصديق الملك» في بدايات 2008 بدأ الإسلاميون يضعون أيديهم على قلوبهم؛ فقد عرفوا أن الرجل الذي لا يكن أي ود لهم ذو خلفية أمنية، بحكم تجربته في وزارة الداخلية، وبحكم تجربته مع الإسلاميين المتهمين بتفجيرات الدار البيضاء. وقد مثلت الحركة محاولة لملمة بقايا اليسار، ورجال الأعمال، وأعيان القبائل والمدن لتوحيد الجهود في أفق إنشاء حزب كبير سيطلق عليه في ما بعد الأصالة والمعاصرة، سيهدف إلى إحياء مشروع التحديث انطلاقًا من خلفية سلطوية، وقد أثار جدلًا كبيرًا في حينه، أرعب بحضوره جميع الأحزاب، وأثار سعار الإسلاميين في العدالة والتنمية، الذين تحدثوا عن المؤامرة، وعن التحكم، وعن التهديد الذي يشكله الوافد الجديد للديمقراطية، وقد تمكن الحزب من إقناع الكثيرين الذين انتقلوا من أحزاب أخرى، أو الذين رأوا فرصة في كسب رضا السلطة والامتيازات؛ لأن اسم الملك رُدد كثيرًا، والذين صدقوا فعلًا أفكار الحزب الذي اكتسح الانتخابات الجماعية سنة 2009؛ أي بعد عام واحد بعد تأسيسه.

لم ينظر أحد إلى الصورة العامة، ولم يحاول أحد فهم أسباب نشوء حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ولد مشوهًا بهؤلاء الذين انضموا إليه «أصحاب المصالح والانتهازيين وكانت تلك نقطة ضعفه»، وقد كان حزب العدالة والتنمية ذا رصيد كبير، استغله في مواجهة المشروع الجديد، خصوصًا أنه كان يستغل الشعور العام للناس، ولم يكن يقدم حلولًا عملية، وإنما شعارات تخاطب الناس بما يريدون فيما يصطلح عليه بالشعبوية، وبالتالي كان يجمع حوله الكثيرين ممن لا يريدون النظر إلى تغيرات العالم المعاصر، وإنما هؤلاء المستعدين لتصديق نظرية المؤامرة، وسيطرة الصهيونية والماسونية، وغيرها من الأطروحات التي تجعل مصير الإسلام دائمًا في خطر محدق، وتلعب بالشعور الديني والتاريخي الذي يحشد وراءه الأتباع، وبالتالي جعلته الخيار المفضل للكثيرين الذين أملوا بحدوث معجزة، أي أن يحافظ هذا الحزب على الرصيد الديني، ويعيد أمجاد الماضي، وأن يحقق قفزات في الاقتصاد وتحسين المعيشة والتعليم وغيرها من المجالات، وأن يكون هو الحزب الإسلامي النموذجي.

مفارقة عجيبة طرحها هذا الحزب؛ فهو حزب يقتات على جهل الناس، وتوسم منه الكثيرون إصلاح التعليم، ويستغل الفقر، وتمنى الجميع أن يصلح الاقتصاد، ورغم أن مصدر المشكل العام هو انسداد الأفق السياسي وسيطرة نخبة على مقدرات البلد وغيرها من المشاكل، فإن مجيء حزب العدالة والتنمية، مع بروز 20 فبراير زاد الطين بلة، ولم يقدم حلًّا للوضع القائم والمتأزم، وإنما أصبح المغاربة محكومين بمصيبة جديدة، تتمثل في قدوم أشخاص لا يعرفون ماذا يفعلون، ولم يسبق لهم العمل في مؤسسات رفيعة أو الدراسة في معاهد راقية، كما أنهم مبغوضون من قبل طبقة رجال الأعمال، والنخبة السياسية والبرجوازية، ورجال السلطة، وفوق كل ذلك قدموا أسوأ أداء في تحصيل المكاسب للشعب، بل كانوا انبطاحيين لدرجة كبيرة أمام أصحاب المصالح، ودفعوا وحملوا الشعب فاتورة حل مشاكل البلد.

فقد ألغوا الدعم العمومي لكثير من المواد التي يعتمد عليها المغاربة، وزادوا الضرائب على كثير منها، وأوقفوا الحوار الاجتماعي، بينما مرروا قوانين كقانون الصحافة، ومشروع إصلاح القضاء، لم تكن لتمر لولا وجودهم وسط المسؤولية «لو كانوا في المعارضة لصوتوا ضدها»، وقد كان همهم هو التمكن من خلال إرضاء السلطة بمحاباة رجالها، وعدم المس بامتيازات الكثيرين داخلها، وقد ظلوا طوال فترة تحكمهم يمارسون الخداع؛ فيلقون باللائمة على التماسيح والأشباح، بينما كانوا هم أكبر الأصناف افتراسًا «زادت ثروات بعضهم وطفت فضائحهم الجنسية»، ولم يتمكنوا من فعل الكثير لمحاربة البطالة ورفع النمو نصف درجة، وقد وعدوا بـ8%، وألغوا الوظيفة العمومية في قطاع التعليم، ووضعوا ضغوطًا هائلة على الموظفين بزيادة سن التقاعد، وزيادة مساهماتهم في الصندوق، وكانوا وعدوا بتحقيق الاندماج المغاربي، وسافر سعد الدين العثماني إلى الجزائر، حين كان وزيرًا للخارجية، وعاد بخفي حنين، وغيرها من الإخفاقات التي وضعت المغرب في وضعية جمود وتراجع مستمر.

إن التراجع الاقتصادي سببه أن الخليج الذي كان يساهم في مشاريع تنموية في المغرب، ويقلص الكثير من الضغوط على ميزانية المغرب، قد رفع يده احتجاجًا على وجود هذا الحزب في المقدمة، كما أن رفع الدعم العمومي عن البترول الذي يشكل المحرك الأول للاقتصاد، دون حل بديل، أزم الوضع، إلى جانب أن السلطة لا تريد أن تقوم بأي شيء، ما دام هذا الحزب موجودًا، لتحسين الوضع الحالي، كي لا ينتهز الفرصة ويعلن الفضل لنفسه، وهو ما يجيده كثيرًا، أي اقتناص الفرص والاستفادة من جهود الآخرين، وإلقاء اللوم، ولعب دور الضحية، كما أن شعبيته التي لم تتقلص كثيرًا؛ «لأنه يجيد التملص من المسؤولية»، وبالتالي فإن الوضع مرشح كثيرًا للاستمرار.

في المغرب يقول مثل أمازيغي «من ضرب يده لا يبكي»، وهذا حال المغاربة الذين صوتوا ووضعوا ثقتهم وجددوها، رغم الآلام، في حزب مفترس، همه المنصب والسيطرة لا مصالح الناس. هذا الانفصام أي التشكي ورفع قدر صاحب الضرر، ومنحه مزيدًا من الصلاحيات، موضوع يستحق مزيدًا من النظر؛ لأنه يضعنا جميعًا أمام مطرقة حزب العدالة والتنمية، وسندان الفساد الذي وجد حليفًا مخلصًا يأكل الغلة ويخدم مصالح ضيقة، ويحول أنظار الناس عن الحقيقة، وهذا قمة الانحدار والتراجع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد