بحكم أنني أحد مؤيدي حملة المقاطعة التي يخوضها المغاربة ضد بعض الشركات الجشعة، وأنا أتابع أطوار هاته المقاطعة وأشاهد أشرطة الفيديو التي تنشر حول الموضوع، يسقط بصري سهوًا على شريط لأحد «الرابورات» يتحدث عن المقاطعة، يتكلم بنوع من الكبر، وكأننا ندين له بالمليارات، ولكن ليس العيب فيه؛ بل العيب في أولئك الذين يصطفون لساعات وراء الخشبة منتظرين صعوده.

يقول هذا العلامة: «أنا خليوني للمهمات الصعبة».

تمعنت في حديثه جيدًا، وأعدت الشريط لأزيد من ثلاث مرات، حاولت أن أفهمه، فكرت ثم فكرت ثم حاولت أن أفهم قصده، تريثت قليلًا، واستخدمت مهاراتي في التحليل، وبدأت أبحث عن ماذا يقصد بالمهمات الصعبة.

لست من متابعيه ولا من معجبيه؛ بحكم أنني لا أحب هذا النوع من الموسيقى المتمثلة في أغاني «الراب»، ومن حديث هذا الشخص تظهر نغمة الاستعلاء والأنا والتكبر الطاغي على شكله وكلامه، أضف إلى ذلك أنه تنقصه التعابير اللغوية اللبقة، أعتقد أنه في هذه المرة سقط في براثن الغرور وأسقطه معه دون سابق إشعار أو إخطار أو إنذار.

أرأيتم من كنتم تظنون أنهم متواضعون نضاليون، أسقطت المقاطعة أقنعتهم، وفضحت عمقهم الخبيث، وعقولهم الفارغة، ما هذا إلا جاهل مغرور صدق نفسه، فصدق من قال: لا تعاشر نفسًا شبعت بعد جوع، فإن الخير فيها دخيل، وعاشر نفسًا جاعت بعد شبع، فإن الخير فيها أصيل.

سنترك لك المهمات الصعبة أيها «الرابور»، مثلًا: الصلح بين كوريا الشمالية والجنوبية، وتحرير القدس من الصهاينة، وعودة السلام في سوريا واليمن، والاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية التجارة الحرة بين الصين وأمريكا، أو تحرير سبتة ومليلية .

هذا «الرابور» اشترى كفنه بيديه، أظن أنها نهاية صورة «ولد الحومة» التي رسمها لنفسه وأتقنها، لكنه نسي أن المواقف هي التي تؤكد أو تنفي.

حينما كان لا يجد ما يسد رمقه، وكان يعيش حياة بائسة، كان يطلق عنان صوت أرعن ساخطًا عن الوضعية متشائمًا من سيرورة الحياة، الآن وبعد أن وصل إلى مبتغاه، استدارت دائرته إلى 90 درجة، ربما هو خوف لسحب بساط نعمة افترشت تحت رجليه، كيف يعقل أن يعارضهم وقد أصبح منهم، يا أيها «الرابور» نحن شعب نفقه ونعي الأشياء من جميع جوانبها، الكل يعترف بوعي الشعب المغربي، وما أنت إلا شخص عادي جدًّا أغلب محبيك من الأطفال والمراهقين والحالمين بالهجرة إلى الضفة الأخرى، أقول لك ليس كل الشعب عامة، وشباب خاصة، يستمعون إلى هتافاتك الممزوجة بصياح وموسيقى صاخبة، اليوم انفلت عنك القناع ومُسح عنك المكياج، فليس لك محل من الإعراب بيننا، الشعب لن يحتاجك؛ فالمهمات الصعبة لا أنت ولا غيرك قادر على خوضها.

نجوم أمريكا، وتضامنًا مع مصابي مرض نادر، كانوا يسكبون الماء المثلج على رؤوسهم، ولم يتجرأ أحدهم على أن يخرج في تصريح يقول فيه: «أنا أكبر من هذه الأشياء»، مشكلتنا الكبرى هي قلة التواضع. المقاطعة لم تقتصر فقط على فضح الشركات الرأسمالية الجشعة، وإنما فضحت أشخاصًا كان المغاربة يُكنون لهم الاحترام، لكن بمجرد أن احتجاهم الشعب للمساندة قلبوا وجوههم وولوا هاربين، تاركين وراءهم تصريحات أقل ما يمكن أن نقول عنها، إنها خرجت من أفواه كانت بالأمس تبحث عن لقمة خبز، وأصبحت اليوم تعيش حياة الترف والبذخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد