من منا لم يتساءل ذات يوم ورهاب يتملكه: هل أكون الضحية القادمة لظاهرة العنف؟ تساؤل تمخض عن تعاقب مخيف ومتسارع لحوادث العنف داخل المجتمع المغربي: أساتذة يسحلون في رحاب مؤسسات يفترض أنها تعليمية وتربوية، فتيات في زهرة العمر تنتزع ثيابهن وتكشف عوراتهن في مشاهد لا إنسانية خسيسة، ومغاربة تعرضوا لمختلف مظاهر العنف اللفظي، ووصفوا بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية؛ لمجرد معارضتهم حملة المقاطعة الأخيرة. حوادث وأخرى تستدعي منا وقفة مسؤولة كي لا يتحول العنف من ظاهرة كونية إلى خصوصية مغربية. وكي لا نطبع معها كما فعلنا مع الفساد والزبونية وغيرها من الظواهر التي أصبحت – للأسف – شرًا لابد له.

قبل أن نبدأ في صلب الموضوع، لا بأس بالتذكير أن هذا المقال لا يدعي كونه تمخض عن بحث سوسيولوجي أو أي دراسة علمية دقيقة، بل هو مجرد محاولة متواضعة لمقاربة مشكل استفحال ظاهرة العنف بشتى تمظهراته في المغرب في ظل هذا  الاستنكاف عن دراسة العنف باعتباره ظاهرة  قائمة بذاتها بتعبير حنا أرندنت في كتابها في العنف، وردًا  على كل من يزعم أن الأمر، يتعلق بحوادث معزولة تم تضخيمها من طرف وسائل التواصل الاجتماعي.

أن تكون مغربيًا، يعني أن أحدهم أدهش مسامعك ذات يوم وهو يسرد كيف جعل الضرب المبرح لوالديه له في صباه منه رجلًا مسؤولًا، يحدث أيضًا أن تحدق في تعنيف شخص لدابة شاءت سخرية القدر أن تجعل منها وسيلة نقل عمومي فتتساءل: هل خير أمة للناس يمكن أن تكون عنيفة لهذه الدرجة؟ أو أن يروي لك كهل عن العنف والاضطهاد الذي ميز فترة حكم الراحل الملك الحسن الثاني. هكذا إذًا يبدأ التطبيع مع العنف منذ نعومة الأظافر، ويصبح محايثًا للتنشئة الاجتماعية للمغاربة. ترسخ صورة سلبية على أن العنف هو أداة لابراز القوة  والسلطة. رغم هذا يبدو أمرًا شاذًا انتشار هذه الآفة الاجتماعية في مجتمع مغربي عرف بكونه مجتمعًا محافظًا ومتدينًا، لكنه في المقابل يقترف أفعالًا تدهش العلمانيين  والحداثيين أنفسهم، مجتمع يستعمل 16 مليون مواطنًا فيه أحد مواقع التواصل، لكنه لا يتواصل، بل يلجأ للعنف للتعبير عن مواقفه وآرائه، لعل حادث ضرب أحد الأساتذة لتلميذة في مدينة خريبكة مؤخرًا كرد فعل على شغبها أكبر دليل على افتقار أغلب المدرسين والمكونين لآليات التواصلية اللازمة لتنشئة جيل يؤمن بأهمية قيم التواصل في الاهتداء إلى حلول فعالة للمشاكل والنزاعات التي تتخلل حياتنا اليومية، ومن جهة أخرى محاولة إرضاء دعائم مجتع التواصل الذي يسخر وسائط التواصل في الرقي بالعلاقات الإنسانية وتطوير المجتمع.

إن العنف كما يقول سارتر: العنف لا يمكن قهره، إنه جوهر الإنسان؛ إذ يعيد خلق نفسه بنفسه، لذلك لا أمل في القضاء عليه، لكن لعل المتابع الحصيف لحالات العنف المتكررة في المغرب يدرك أن الأخطر ليس هو العنف في حد ذاته، ولكن صفة المشروعية التي يضفيها البعض على هذه العدوانية الإنسانية التي تتنافى مع قيم ومبادئ المجتمع المغربي والإنسانية جمعاء، والمثال الأبرز على هذا هو تبرير بعض مناصري الرجاء الرياضي البيضاوي لحادثة اعتداء بعض الجماهير الرجاوية على حافلة الفريق، بتهاون اللاعبين واسترخائهم داخل المستطيل الأخطر. وكأن الأمر يتعلق بحرب ضروس، وليس بمباراة  في كرة القدم يجب أن تسود فيها الروح الرياضية. كما وثقت كاميرا خفية تم عرضها في أحد المواقع الإلكترونية المغربية، كيف حاول مواطنون الاعتداء على مفطر علني تحت ذريعة استفزازه للصائمين وخرقه لمبادئ وقيم المجتمع. الأمر أخذ بعدًا أخطر، عندما تحول عدم الرضا عن الأعمال الفنية بدعوى عدم احترامها قيم المجتمع المغربي وخصوصيته إلى تهديدات بالقتل طالت كلًا من الممثل سعيد باي بعد دوره الجريء في فيلم (زيرو) قبل سنوات، والممثلة لبنى أبيضار بعد تجسيدها لدور عاهرة في فيلم (الزين لي فيك).  هذه الأيديولوجية التبريرية التي تشبع بها المغاربة تستند لمبررات واهية منها: أن الحق ينتزع ولا يعطى، وأن الحفاظ على الأخلاق العامة  تعبير عن المواطنة الحقة والغيرة على هذا الوطن، رغم أن هذه المهمة الأخيرة موكلة للأجهزة الأمنية وللقضاء ولا يحق لأي مواطن أن يطبق القانون بنفسه، وإلا فسنعود إلى حالة الطبيعة حيث لا مؤسسات ولا قوانين.

عندما نتحدث عن العنف، لا يمكننا تحاشي مفهوم الدولة، التي يعتبرها الكثيرون الكيان الأكثر استعمالًا للعنف وآلياته من أجل ممارسة السلطة والحفاط على سيطرتها على مجال ترابي معين. لقد سخرت الدولة المغربية العنف وميكانيزماته، خصوصًا في السنة الأخيرة لردع كافة الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، نذكر منها حراك الريف، جرادة وزاكورة. فيما ظلت اللقاءات التواصلية مع زعماء هذه الانتفاضات الاجتماعية السلمية ناذرة ونتائجها عقيمة. بل وصفها الكثيرون بكونها محاولة لذر الرماد في العيون، وإعطاء صورة إيجابية عن التقدم الحقوقي للمغرب. إذا كانت الدولة التي تلجأ إلى العنف تحت ذريعة منع التسيب والحفاظ على الأمن العام، فإنها في المقابل تبذل مجهودات محتشمة للحد من ظاهرة العنف داخل المجتمع والدليل على هذا هو افتقار أغلب المؤسسات التعليمية لمراكز الإنصات من أجل معالجة الانحرافات السلوكية ما دامت في مرحلة جنينية، إضافة إلى التدخل المتأخر من القائمين على قطاع السمعي البصري في بلادنا لوقف بث برامج تعيد مسرحة جرائم عنيفة، وتساهم في تلقين الخبث الإجرامي لعموم الناس. الدولة أيضًا تتحمل المسؤولية في غياب الأنشطة الموازية في المؤسسات التعليمية وقلة المراكز الثقافية التي من شأنها أن ترقى بالذوق العام، وأن تهشم كل النزعات العنيفة الكامنة في الذات الإنسانية.

إذا كان  الماهاتما غاندي قد وضع اللبنات الأساسية لمفهوم اللاعنف، فما أحوجنا اليوم إلى غاندي مغربي يضع حدًا لهذه العدوانية التي أصبحت سائدة في المجتمع المغربي بفعل انعدام ثقافة تقبل الآخر، وضعف المقاربة الأمنية وعجزها عن اتخاد إجراءات استباقية من بينها ردع أصحاب السب والقذف التهديدات عبر وسائط التواصل، والتي من شأنها أن تترجم  من عنف لفظي إلى عنف فعلي.

ما أحوجنا اليوم كمغاربة أن نكرس الصورة الإيجابية التي تترسخ في ذهن كل من زار وطننا الحبيب، باعتباره بلدًا مضيافًا ومتشبعًا بقيم التسامح وتقبل الآخر، وأن نزيل كل الشوائب، ومن بينها ظاهرة العنف، التي تعيق الانتقال الديمقراطي الذي ما زلنا نأمله. محاربة العنف مسؤولية كل فرد في هذا المجتمع؛ لأن كل شخص يجب أن يكون التغيير الذي يريد أن يراه في العالم  كما يقول غاندي؛ لأننا يجب أن نلتحم ونؤكد للعالم وأنفسنا أننا لسنا ولن نكون شعبًا عنيفًا بطبعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد