قُمِعَ الريف المغربي.. ولكن ربيع الثورات مستمر

سألتُ اطمئنانًا عن وضع بلدةِ الحُسَيْمَة فِي (شمال المغرب) ذاتِ التضاريسِ الجبليَّةِ وتعتبرُ جوهرة الريف، فكانت: الإجابةُ أنهَا حزينةٌ، رددتْ بسؤالٍ: لماذَا لم أعهدهَا هكذَا، ردَّت عَلَيَّ بإجابةٍ: أبناءُ الحُسَيْمَة قامُوا بالتظاهرِ والِاعتصامِ السلمِي للمطالبةِ بمحاربةِ الفسادِ ورفعِ التهميشِ عن المنطقةِ وإطلاقِ سراحِ معتقلي الريف وطالبوا ببناء مستشفى وجامعةٍ لَدَيْهِم، شبان يُطالبُون بحقٍّ من حُقُوقِهم فكان ردُّ السلطاتِ بحملة اعتقالاتٍ لهؤلاءِ الشُّبَّانِ والزجِّ بهِم في السجنِ، ظُلْمًا وعدوانًا، فالثورةُ بالريفِ بدأت عامَ 2016 واِنتهتْ بعد سنة بالقمعِ والاعتقالاتِ وأهالي المعتقلين يتظاهرون ولكن لا مجيب.

اثنانِ من الشبانِ الذين سجنُوا خيطا أفواههمَا بالإبرة والخيط إضرابًا عن الطعام داخل السجنِ، واللهِ اقشعر بدنِي لَمَّا وصلنِي هذا َالكلام.

أهل الشُّبَّان ينتظرون الإفراج عن أبنائهم على أحرَّ منْ الجمرِ فلذات كبدهِم فِي السجون كيفَ سينامُون لَيْلَهُم وهَل بقِي نوم أصلاً. أصبحتْ مدينَة الحُسَيْمَة بعد عملية القمع والاعتقالات شاحبة كبئرِ مظلمةٍ، ضجيجُ قلوبِ الأمهاتِ كسحبٍ هائجةٍ على وشكِ البكاءِ أَحْسَسْنَ أنَّ جزءًا اِبتعدَ فسائِرُهنَّ يحنُّ إليهِ، البسمةُ تبحثُ عن وجوهٍ لترتسِمَ عليهَا ولا تجِد، قلقٌ يَعُمُّ الشوارعَ والأحياءَ، شاطئُهَا خال من أصدقائِهِ المرابطينَ على صخورِهِ وساحلهِ، أصبحَ كصحراء خاوية من أيِّ ريحٍ.

وكأنَّ نِظامَ العاهلِ السادسِ يمارسُ مَا قامَ بهِ إخوانه الذين خلعُوا قَبْلَهُ كالقذافِي والقريبُ منهُ جغرافيًّا وقلبيًّا زين العابدين بن علي التونسِّي.

نأملُ من السلطاتِ أن تُنهِيَ هذهِ المهزلةَ التِي قامَت بهَا بأسرع وقتْ، وأنْ يفرج عن الشُّبَّانِ ويستسمح الأهالِي ويُطلب منهمْ المصالحةَ وتلبِّى طلباتِهٌمْ، لانْ العاقبةُ لنْ تكونَ مرضيَّةً لهم إذا اِستمرُّوا بمعاملةِ الأهالِي والشبان الأبرياء بهذهِ الطريقةِ الوحشيَّةِ التِي تدلُّ على وحشيةِ وقسوةِ ما في داخلهِم.

وإلا سيلقون ما لقاهُ البشير في السودانِ وشقيقه المقعد بوتفليقة من مظاهراتٍ عارمةٍ جابت المدنَ وغطت شوارعهَا بصدى الحرية.

هؤلاء الحكام أمرهُم غريبٌ مقعدٌ لا يستطيع الحركة لولا الحراكُ الشعبيُّ كانَ يريدُ الترشحَ لانتخابات الرئاسة وكأن بلدَ المليونِ شهيد كمزرعتِهِ فلولا المظاهرات كأن سيفوزُ بهَا، كمَا فاز الإنقلابي النزيه للأبله السيسي، هذهِ الأنظمةُ، أنظمةٌ عميلةٌ للمستعمرِ الذي لم يرحل بعد وينفذون مهامهم بكلِّ إتقان وظيفتهِم تحطيم آمالِ الشعوبِ، ووأد أيّ حراكٍ يطالبُ بحريةٍ وكرامةٍ وظيفتهم جعل الشعوب تفكرُ بالمأكلِ والمشرب لا غير، والعدوُّ درسَ نفسيةَ ومتطلباتِ كلِّ مجتمعٍ على حدة ليبقى مجتمع جبانٌ منصاع لكلِّ أوامرهِم، كالمجتمع الخليجي أعطِي المال الوافر ويأمن النظام الحاليُّ الحفلات وتجهيز المُولات للتسوق والولائِمِ الكبرَى وانتشارِ مظاهر الفواحش وأزمة الأخلاق ويعملُ على تغييب عقول الشعبِ وأشغالهم بأمورٍ لا تمسُّ زمامَ السلطةِ وهذا أهمُ شيءٍ لديهم، والشعوبُ المضطهدةِ كالشعبِ المصري والسوري يجب ألا يملكُوا المال الوافرِ وراحةَ العيشِ لأن هذهِ الشعوب لو أمَّنت هذه الأموُر لأبدعت وطالبت منذُ فترةٍ بالتغييرِ. ودُرِّبَت هذه الأنظمة على زرع الحقد في سياسةٍ ممنهجةٍ بين أبناءِ الشعبِ، الريف والمدينة، المناطق الصحراويةَ والمناطق الساحليةَ، حتى وصلت بين القبائلِ والعشائرِ وحتى بين الإحياءِ في المدنِ.

افعلوا مَا شِئتُم وتكلَّمُوا بمَا تريدونَ ولكنَّ إياكُمْ والسياسةَ والتِي تمسُّ أمنَ كُرسي ولِيِ أمركُم وإياكُم اِستصلاحُ التعليمِ والعملِ على المجالِ الفكري هذهِ الأمورُ تَخُصُّ الأمنَ القوميَّ لديهِمْ تَخُصُّ أمنَ كِبْرِهم المتعجرفِ وأمن حساباتِهُمْ البنكيةَ وعقاراتِهُمْ المترفةَ.

فالألم الذي تعيشُه الشعوب هو دليلٌ إن هنالك تغيرٌ سيحدثُ وعجلةُ التاريخِ ستدورُ على هؤلاءِ الطغاةِ الذينَ سيكتبُهُمْ التاريخُ في مزابلِهِ.

مستمرّونَ والحياةُ جهادُ
وكفاحٌ وثورةٌ واتّقادُ
لعيونِ الثّوراتِ جِئنا نُغنّي
لربيعٍ تخضرُّ منه البلادُ
لبلادٍ تحيا بغيرِ سِياطٍ
ودمٍ لا يُريقُه الجلّادُ

*أنس الدغيم

أَخَبَّرُوا كُل الثَّائِرين مِن الحُسَيْمَة في المغرب إلى الخرطوم في السودانِ مُرُورًا بالمَتْعَبة الشّام والحَزِينَة بَغْدَاد وَالصَّامِتَة الريَاض والمبتسِمة الجزائر والمنسية غزة، أَخْبَرُوا كُلَّ الثَّائِرِينَ فِي العَالَمِ أَنَّنَا أَصْدِقَاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد