الكثير منا لم يفهم بعد النتائج التي أسفرت عنها انتخابات 8 سبتمبر(أيلول)، والتي كانت في أغلبها مفاجئة ويصدرها حزبان أحدهما شارك تقريبًا في كل حكومات الألفية الجديدة وهو حزب مال و أعمال يقوده ملياردير هو رئيس الحكومة اليوم، كل رمزيته السياسة يستمدها من قرابته من القصر والملك. والحزب الثاني أسس على يد مستشار ملكي اليوم وصديق للقصر، كان الغرض منه خلق كيان سياسي جديد للسلطة داخل المشهد لضبط توازنه والتحكم فيه. حزبان لا قاعدة شعبية لهما ولا تاريخ سياسي لهما (غير ما أوجدا من أجله في الأصل) ولا رموز نضالية لها شرعية الإنجاز التاريخية، اعتمدا في انتشارهما على الأعيان والأموال، فتجد لهذين الحزبين فروعًا في كل مداشر البلاد، التي ما زال سكانها يرون في الانتخابات فرصة عمل أو عرسًا لأسبوعين يوفر المأكل والمشرب ومصروف الجيب.

حصل حزب التجمع الوطني للأحرار على 97 مقعدًا مقابل37 مقعدًا سنة 2016، وحصل حزب الأصالة و المعاصرة على 82 مقعدًا مقابل 102 مقعد سنة 2016، بينما احتل حزب الاستقلال المرتبة الثالثة بـ78 مقعدًا مقابل 46 مقعدًا سنة 2016، والمفاجأة كانت التقهقر الكبير لعدد مقاعد حزب العدالة والتنمية الذي احتل المرتبة الأولى في انتخابات 2012 و2016 بـ107 و125 مقعدًا على التوالي، وحصل على 13 مقعدًا. سقوط مدو للحزب الذي ترأس الحكومة لولايتين اختلف المتابعون على أسبابه، بين من أكد أنها داخلية بالدرجة الأولى وتتعلق بأزمة حادة داخل الحزب وسوء تدبير لقيادة الحزب لمرحلة ما بعد بن كيران وبعض قرارات الحكومة التي تتعارض ومرجعيته ومبادئه، ومن ذهب إلى القول بأن السقوط كان بفعل فاعل وأن السلطة ممثلة في وزارة الداخلية لم تكن محايدة، بل ضيقت الخناق على الأحزاب التي لها صلة بقواعد شعبية على اختلاف مرجعياتها، والضغط الذي مورس على مناضلي هذه الأحزاب لتقديم ترشيحاتهم بأسماء أحزاب أخرى، إضافة إلى التلاعب الكبير الذي شهدته اللوائح الانتخابية التي وضعت على المقاس في الكثير من المناطق، فتجد أحد الأعيان مثلًا سُجل في دائرته 30 اسمًا من عُماله، رغم أنهم يقطنون خارج دائرته، وتخصص لهم حافلات نقل خاصة يوم الاقتراع. ناهيك عن الاستخدام الاستثنائي والقياسي للأموال سواء لشراء الأصوات، وتمويل الحملات الانتخابية أو لاستقطاب طاقات وكفاءات منها من كان تحت راية أحزاب أخرى، تحت الضغط، ومنها من غرر به ليقتحم عالم السياسة للانخراط في «أحْرَرَة الدولة (على غرار فضيحة أخونة الدولة).

وقد كان الجمع بين الانتخابات البرلمانية والجهوية والمحلية لأول مرة في تاريخ المغرب في مصلحة الحزبين اللذين تصدرا الانتخابات، فمن المعروف أن نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية كانت تفوق دائمًا نظيرتها في الانتخابات البرلمانية. وإجراء انتخابات تجمع بين المحلية والجهوية والبرلمانية يفترض أن الناخبين لهم القدرة على التمييز لحظة التصويت بين هذه اللوائح، وهذا أمر مستبعد عند أغلبية المصوتين نظرًا إلى الصعوبة التي ستواجههم في التمييز بين الجماعة والجهة والبرلمان، وكذلك بين البرلماني والمستشار الجماعي بالخصوص في العالم القروي، الذي يكون فيه التصويت في أغلب الأحيان على أشخاص محددة (الأعيان، أهل المال…) دون إعطاء أي اعتبار لأحزابهم ومن ثم التصويت لرمز حزب الشخص في جميع اللوائح دون أدنى دراية بممثليها في اللوائح الجهوية والبرلمانية.

اعتمدت جبهة الدفاع عن الديمقراطية والاستثناء المغربي في الدفاع عن نزاهة نتائج انتخابات 8 سبتمبر على مقارنة فضفاضة بين السلوك الانتخابي المغربي ونظيره في الديمقراطيات الغربية المتقدمة، مؤكدة أنه سلوك سليم باعتبار أنه قلما يستطيع حزب كيفما كان توجهه الفكري أن يقود الأغلبية لأكثر من ولايتين متتاليتين، وهذا هو جوهر الديمقراطية في ضمان التداول السلمي على السلطة، بالإضافة إلى تأكيدهم أن الناخب المغربي صوت عقابيًّا ضد حزب لم يرض له المواطن على ما حققه من إنجازات خلال ولايتين ترأس فيهما الحكومة. مقارنات فجة مع وجود فوارق عميقة في سلوك الإنسان بشكل عام و في فهم السياسة والممارسة الديمقراطية بشكل خاص بين المغرب والغرب. والتصويت العقابي لو كان سلوكًا انتخابيًّا للناخب المغربي لَرفعه في وجه الحزب الذي كان جزء في كل الحكومات السابقة وكان على رأس وزارات مهمة كالفلاحة والصناعة والتجارة…، حتى قبل 20 فبراير (شباط). ومن ثم فهي مقارنات تفضح صيغة التبرير لنتائج مفاجئة للمتابعين، ولم تكن كذلك لمن أشرفوا على العملية برمتها.

انتخابات جاءت في سياق عالمي وإقليمي خاص عنوانه البارز هو الجائحة، وقد تم تأجيل الانتخابات في العديد من الدول، وحتى التي أجرته اعتمدت أساليب جديدة في الاقتراع إلى جانب الاقتراع المباشر. أفرزت لنا هذه الانتخابات حكومة بأغلبية وتحالف مريح كونت بثلاثة أحزاب، على حد وصف بعض الداعمين لها، على عكس التحالفات الحكومية السابقة التي كانت هشة تجمع بين كيانات سياسية ليس بينها حد أدنى من التوافقات المرجعية والسياسية، حسب الداعمين دائمًا. حكومة من 24 وزيرًا معظمهم لم يشاركوا في الانتخابات ولا انتماء سياسي لهم ومعارضة لم تعرف ملامحها إلا بشكل غريب بعدما لم يجد بعض أحزابها موضع قدم في تحالف الأغلبية. وبرلمان تشهد جلساته الأسبوعية والشهرية على الكارثة العظمى التي حلت بهذه المؤسسة، التي تم حشوها بالأمية ومن لا يفك الحرف ولا الرمز، فكيف له أن يشرع في أمور العباد والبلاد.

مرت المئة يوم من عمر الحكومة، التي ستعطي شرعية طرح السؤال عن ماذا تحقق. ولنكتشف وجه الحكومة الجديدة وملامح أساليب تدبير المرحلة المقبلة، وأول ملاحظة لاحظها أنصار الحكومة قبل معارضيها هي الصمت الرهيب لرئيسها تجاه قضايا كانت تلهب الشارع المغربي (احتجاجات الطلبة والأساتذة، غلاء الأسعار، فرض جواز التلقيح…)، وحتى من نطق من أعضاء الحكومة لم يقنع وكأن مهمته الإخبار وفقط. فتبخر أول وعد من وعود رئيس الحكومة بأن يكون قريبًا من المغاربة وفي تواصل دائم معهم. وبدأ المواطن يحصي كل تلك الوعود
الأخرى ويتساءل عن مصيرها.

وبالتأكيد، وكالعادة سيظهر الرئيس في التلفاز بعد 100 يوم وسيقدم أرقامًا وإحصائيات حول نسب النمو والبطالة ومناصب الشغل، بالإضافة إلى مشاريع وأوراش في طور التنزيل، ووضعية حقوق الإنسان التي قطعنا فيها أشواطًا مهمة وكذلك الرؤى الإستراتيجية التي تهم تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وكذا البرامج التنموية التي يراد بها تقليص الفوارق الاجتماعية. كل تلك المعطيات التي لن يكون لها كثير الأهمية، بعيدًا عن فهم سياق عام أفرز هذه الحكومة بعد أكثر من عقد على مطالبة الشارع المغربي بالإصلاحات الحقيقية ومحاربة الفساد وانتقال ديمقراطي حقيقي. حكومة قد يقال إنها تمثل آخر مرحلة في الالتفاف حول مطالب 20 فبراير، تعيد البلاد إلى نقطة بداية ما، مجهولة في التاريخ السياسي المغربي.

وفي الختام وجب الإشارة إلى أن السلطة في المغرب كانت انسيابية في التعامل مع الأحداث الإقليمية في المنطقة منذ أكثر من عقد من الزمن، فقد كان المغرب آخر بلد وصلت إليه رياح ما سمي بالربيع العربي متمثلة في حركة 20 فبراير التي طالبت بإصلاحات سياسية عميقة ومحاربة الفساد، وجاءت بدستور وأمل جديد، فقد كانت كذلك آخر من انقلب على الديمقراطية الجنينية والهجينة التي حملت الإسلاميين إلى الحكم في مختلف دول الربيع العربي لينتهي مسلسل هذه الولادة القيصرية للديمقراطية ميتة في المنطقة بعودة الانقلابات والسلطوية بسقوط آخر كيان سياسي حملته رياح «الربيع العربي» نحو السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد