بعد حوار أجرته «الجزيرة. نت» مع «ياسر علي» (المتحدث السابق باسم رئاسة الجمهورية أثناء حكم د.محمد مرسي)، اتضحت الكثير من الأمور التي لم تكن واضحة من قبل، وانجلت الكثير من الحقائق التي كانت مخفية مع ذلك الرجل الذي مكث في سجن «العقرب» سنة كاملة، ولكن كعادة الإعلام المصري – الذي يدلس ويكذب مثلما يتنفس – تُـقتص أجزاء من الحوار، وتنشر في عناوين خادعة، كما فعلت جريدة «اليوم السابع»، وجريدة «أخبارك. نت» ورئيس تحريرها «ياسر رزق» (بطل العالم في النفاق)، ونشرت خبرًا نصه:

«ياسر علي في أول ظهور: لم نكن جاهزين للحكم… وترشيح رئيس إخواني قرار خاطئ».

قالها ياسر علي بالفعل، ولكنه لم يكن يقصد عدم كفاءتهم للحكم، بل كان يقصد شيئًا آخر، ستعرفونه في نهايه المقال.

في البداية، اعترف الرجل بأنه كانت هناك الكثير من الأخطاء التي اقترفها الرئيس مرسي، وعلل ذلك بأنه شيء محتم؛ لأنه لم يكن ليحدث إن كان هناك تداول سلطة حقيقي في مصر، تستطيع الاحزاب منه ملامسة الواقع عند طرح برامجها.

كما أوضح أن الرئيس مرسي لم يكن ذلك «الدرويش الساذج» الذي يراه البعض من خلال نقولات من هنا أو هناك، أو المتآمر كما يراه آخرون، وقال: إن سبب هذه الانطباعات السطحية عنه هو غياب المعلومات الحقيقية في التعليقات والمقالات التي كتبت مؤخرًا؛ نتيجة غياب من صنعوا الأحداث في ذلك التوقيت، ومنهم الرئيس مرسي نفسه؛ فغيابهم يدفع البعض إلى أخذ معلومات من طرق غير صحيحة.

ثم قال إن الرئيس مرسي كان يعمل على إعادة هندسة العلاقة مع المؤسسة العسكرية من أول يوم: فقد كان هناك توجس منذ البداية لدى الجميع من تشويه المشهد الديمقراطي الذي حصل في ثورة يناير؛ فالمخاوف لدى كل الاطراف كانت موجودة، والتحسس الشديد في التعامل بين المؤسسة العسكرية ومؤسسة الرئاسة كان موجودًا من أول يوم، وما حدث من قرارات صادمة، (إقالة المشير طنطاوي، والفريق سامي عنان، وغيرها) في أغسطس (آب) 2012 كانت تشير إلى ذلك.

وبعد ذلك دحض الرجل ادّعاءات الكثير من القوي الثورية التي احتجت على وصول الإخوان للحكم، واتهمتهم بأنهم سيقيمون دولة دينية راديكالية، فيقول إن مرسي كان حريصًا على إقامة دولة مدنية وفق وثيقة الأزهر – التي تدعو لإقامة دولة مدنية حديثة بعيدة عن الدولة الدينية الكهنوتية – وكان يرى أنها أفضل ما تم بعد الثورة، كما كان حريصًا على فكرة تداول السلطة.

ثم تطرق ياسر علي للحديث عن الأسباب الحقيقية التي كانت وراء الإطاحه بمرسي، فذكر معلومات هامة توضح الحاله الضبابية التي كانت سائدة خلال مشهد 30 يونيو (حزيران)، حيث قال إن مرسي في هذه الفترة، لم يتلق أي خبر من أي زعيم عربي بأن هناك مؤامرة تُـحاك ضده، وأنه سوف يحدث انقلاب على شرعيته قريبًا، وأن ما حدث هو أن التقى مرسي بدبلوماسي عربي – لم يذكر اسمه –  كان يقيم في القاهرة حينها، ونقل له تخوفات من أن يحل بمصر عشرية سوداء، كما حدث في الجزائر.

وقال له بالنص «لتسمح لي يا سيادة الرئيس أن أنقل لك مخاوفي على المسار الديمقراطي في مصر، وذلك لعدة أسباب منها: قلق كثير من القوي الإقليمية؛ نتيجة إصرار فخامتكم على عدم التواصل المباشر مع الكيان الصهيوني، وترك الاتصال بالأجهزة الأمنية، كما أطلعه الدبلوماسي العربي على ضرورة التراجع عن بعض قراراته التي اتخذها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 بشأن أحداث غزة، ومنها: إلغاء سحب السفير المصري من إسرائيل؛ لكونه أحدث توترًا إقليميًا؛ جعل من القياده غير مرحب بها، وهو ما يشكل أيضًا ضغطًا على المؤسسة العسكرية  التي قد تضطر للتحرك. ويؤكد ادّعاء الدبلوماسي هنا الفريق «أحمد شفيق» في حواره مع «عبد الرحيم علي»، عندما صرح بأنه رتب مع الأجهزة الأمنيه والعسكرية للإطاحه بمرسي.

كما أشار الرجل إلى ضرورة تقليل الدعم السياسي للفلسطينيين في غزة، لافتًا إلى أن أطراف إقليمية باتت ترى تناقضًا في الرؤية بين مؤسسات الدولة – وخاصة العسكرية – وبين مؤسسة الرئاسة في التعامل مع ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية، وقد أكد ذلك أيضا وزير الدفاع الإسرائيلي «موشيه» يعلون هذا الادعاء بتصريحه بأنه بالرغم من اختلافهم مع أيديولوجة الإخوان، إلا أن وزارتي الدفاع المصرية والإسرائيلية لديهم تعاون جيد، وهذا بعدما أكد «إفرايم هالفي» (رئيس الموساد الإسرائيلي السابق) أن مرسي لم يرد علي رسالة تهنئة إرسالها نتنياهو في يوم تنصيبه، ولم يحدث أي اتصال سياسي بين إسرائيل ومرسي أثناء حكمه.

السبب الآخر الذي ذكره الدبلوماسي هو إصرار مرسي على دعم الثورة السورية، وهذا ما لم يرضي أطرافًا إقليمية تمتلك رؤية أخرى، خاصة أن الربيع العربي كان قد بدا يحاصر هذه القوى، وهنا أيضًا ينجلي التناقض بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، حيث كشفت تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد أنه كان هناك اتصال بينهم وبين الأجهزة العسكرية والأمنية، بالرغم من قطع مرسي العلاقات معه.

إذن نستخلص من كل ذلك أن ما حدث في 3 يوليو (تموز) – من وجهة نظر الدبلوماسي المدعومة بالأدلة – هو ناتج أزمه إقليمية أكثر من كونه مشاكل اقتصادية وسياسية داخلية، وسببه ما أشار إليه عن ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية وملف دعم الثورة السورية، وعدم رضا القوى الإقليمية أو «أهل الشر» كما يسميهم الجنرال السيسي في خطاباته التي يمتع بها الشعب المصري من خلال حسه الفكاهي ومصطلحاته الغريبة.

وفي نهاية الحوار أوضح «ياسر علي» بأنهم لم يكونوا في تمام الجاهزية لتولي المسؤلية، حيث إنهم لم يكونوا قد وجدوا مخرجًا للإفلات من مؤامرة القوي الإقليمية  التي حيكت ضدهم، وليس لأنهم كانوا غير أكفاء لإدارة الدولة وتسيّير أمورها، وهذا ما حوره الإعلام ونشره لرعاياه؛ ليصور لهم بأن مساعدي مرسي أنفسهم يعترفون بأنه غير جاهز لتقلد منصب الرئيس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد