في مقالي السابق «الأسطوانة المشروخة (1)» تحدثت عن نغمات نشاز تبدأ جميعها بمفتاح «الإخوان»، تلك الكلمة التي توضع في أي حوار لتصنع جملة مفيدة، كلمة تكفي وحدها لتصنع شماعة تحمل كل خيبات شعب مصر، كلمة سحرية يختفي حين ذكرها شباب يظهرون فيما بعد مقتولين دون أن يهتم أحد بقصاص لأجلهم؛ ونفس الكلمة ترفع كل متسلق لينال منصبًا مؤثرًا في شبه دولتنا.

اليوم أكتب عن الأسطوانة المشروخة الثانية، تلك التي تعزف على نغمة «مرسي»، ذلك الرئيس المنتخب الوحيد الذي توافق المنقلبون على حذف كل أثر لوجوده من صور بمؤسسات أو تاريخ في كتب، ذلك الرجل الذي سيبقى رغم أنوفهم رئيس مصر الشرعي ولو كرهوا.

تحدث متصنعو الحيادية كثيرًا عن فشل مرسي وضعف حكمه، والعجب أنهم مهما تكشفت أمامهم الحقائق لا يرجعون، وإن دل ذلك على شيء إنما يدل على أن الأمر هو هوى في النفس لا علاقة له بعقل أو منطق، بل والأعجب أنك لا تجد رشيدًا منهم يذكر حسنة يتيمة للرجل خلال عام حكمه، وكأن حكم مرسي كان شرًا محضًا لا خير فيه أبدًا! وأيقن أنك لو سألتهم عن تقييمهم لأي من الطغاة الذين حكموا مصر لتحدثوا عن مميزاته وعيوبه بحصافة وموضوعية، ولكن يبدو أن كرههم للرجل وجماعته أقوى من أن يتشبثوا بعدل، فقالوا:

«لو كان مرسي استمع لأبو إسماعيل». عرض مرسي على أبو إسماعيل الانضمام إليه، ورفض حازم بحجة أنه يريد أن يتعامل بحرية مع العسكر دون أن يمس ذلك الرئيس، فماذا كان على مرسي أن يفعل إذن؟! أن يتبنى فكره؟! وهل تظنون أن أبو إسماعيل لو كان قدر له أن يكون رئيسًا، كان سيسلك مسلكًا ثوريًا ينفذ كل ما تحدث عنه؟ّ! من كان سيسمح له؟!

«كان على مرسي أن يضرب بيد من حديد فور إقالة طنطاوي وعنان». وما أدراكم أن إقالة هؤلاء كانت بتلك السهولة التي تتخيلونها وأنها لم تكن بصفقة؟! مرسي الذي تأخر في إعلان التشكيل الوزاري بسبب معارضة الجيش لاختياره لبعض الشخصيات، ما كان يستطيع أن يفعل أكثر، وأرجو ألا تجيبوا بأنكم كنتم ستدعمونه، فقد فعل ما هو أقل من ذلك عندما قام بتغيير النائب العام، الذي كان مطلبًا ثوريًا وثرتم جميعًا ضده.

«مرسي قال إن في الجيش رجالًا من ذهب». وماذا كان يفترض أن يقول رئيس جمهورية على الهواء مباشرة وأمام العالم عن جيشه؟! أيقول إنه جيش خائن؟! أولم يدر ببالكم مثلًا أنه ربما يؤجل انقلابًا علم بوادره، أم أن اتهامه بالغباء كان أسهل؟! هذه العبارة تفشت بين الجمهور كما عبارة (عزيزي بيريز) التي كانت تستخدم في الخطابات الرسمية بغض النظر عن شخصية الرئيس المرسل، واللطيف في الأمر أن منكم من عبر خط 30 يونيو مع قائد الجيش الذي فيه رجال من ذهب، مقتنعين أنه المنقذ وهو نفسه الذي استقبل نتنياهو ليلًا في زيارة خاطفة لا يعلم فحواها أحد! ولعلي أذكركم أن مرسي في ذات خطبة أشار فقط لحقبة الستينيات وحكم العسكر وقتها، فتندرتم عليه واتهمتموه بأنه ليس رئيسًا لكل المصريين، وبرغم أنكم تعلمون حق العلم أن عسكر اليوم ما هو إلا امتداد لعسكر الأمس، خطأتموه!

«مرسي هو من أتى بالسيسي، والإخوان قالوا إنه وزير دفاع بنكهة الثورة». إن كان مرسي أتى به وزيرَ دفاعٍ، فقد رفعتموه ليصير رئيس جمهورية أو على الأقل حملتموه على الأعناق وفرشتم لدباباته الطريق ورودًا ليصبح هو الآمر الناهي بالرغم من أنكم كنتم تعلمون ما سيصير إليه الحال.

«مرسي كان يأتمر بأمر الجماعة وينفذ أجندتها». جملة عابثة، أنتظر دليلكم عليها، لو كانت حجتكم أن قراراته تسير متفقة مع نهج الجماعة، فإن هذه تعتبر أكثر البراهين سذاجة! فكل ربيب لحزب أو جماعة أو حركة، يسير وفق فكرها، بل إنه يخشى انتقادهم، فيتراجع عن مخالفتهم، ولا تكابر فتدعي أن أيًا من الحركات التي ظهرت بعد الثورة استطاعت فعل عكس ذلك.

«مرسي لم يطبق الشريعة لذا عاقبه الله فلو كان طبقها لأفلح». بهذا المقياس يكون قطع رقبة نبي الله يحيى على يد بغي، ويكون شق زكريا بالمنشار في الشجرة، ويكون إلقاء أصحاب الأخدود في النار، كل ذلك ألوان عقاب من الله لهم! ولا أقول إن مرسي نبي أو إنه من عباد الله الصالحين – والله أعلم بعباده – ولكني أقول إن هذا المقياس فاسد لو قارنا قتل نبي بحياة حاكم ظالم مرفه يعيش في رغد، ترى أيكون الظالم المرفه غير مغضوب عليه من ربه ويكون النبي المقتول نال جزاءه؟!

«مرسي لم يصارح الشعب بأنه لا يحكم». هل كان عليه أن يقف ويعلن في خطبة عصماء أمام العالم أنه لا يحكم فيهز هيبة منصبه؟! ولنفترض أن الرجل وقف وقال بعلو صوته إنه لا يملك صلاحيات، كيف تتوقعون أن يكون رد فعل شعبه الذي لم يجتمع عليه؟! كانت رابعة لتكون أبكر، فالبعض سيقف خلفه ليؤازره في ميدان، والبعض سيقول له «مصر كبيرة عليك»، «مش قد الشيلة متشيلش»، وكان الجيش سيتدخل للفصل بينهما بأن يستولي على الحكم، نفس النتيجة ولكن بمذلة لرئيس منتخب، أنلوم على الرجل وقوفه بشرف؟! تحدث مرسي كثيرًا بشكل مبطن في خطاباته ولكن أحدًا لم يسمع، راهن على ذكاء وفطنة متلق يتلهف لإنجاح ثورة، في حين أن هذا المتلقي كان يتصيد له نظرة في ساعة ومسحًا بمنديل!

«مرسي لم يكن مرنًا أمام الهجمات المضادة للثورة». وأي مرونة أكثر من أن الرجل قبل بحكم قضائي بحل مجلس الشعب، ثم بحل اللجنة التأسيسية الأولى للدستور، ثم عرض مناصب حساسة على معارضيه وقوبلت بالرفض، ثم تراجع عن إعلان دستوري، ثم شكل جلسات مصالحة وطنية لم يحضرها ووافق مقدمًا على ما سيتفق الحاضرون عليه، وحتى آخر لحظة وافق على المبادرة التي كذب قائد الانقلاب حين ادعى أن مرسي رفضها، فبالله عليكم، خبرونا، ما حجم المرونة التي كنتم تنتظرونها منه إلا إن كنتم تنتظرون منه أن يتنازل عن الحكم لخصومه!

«مرسي كان ضعيفًا». قلت مرارًا إن قوة الرئيس إما أن تنبع من قلب ثورة يلتف أبطالها حوله، أو من جيش وشرطة تأتمر بأمره. لم يحظ مرسي بهذا أو ذاك، فالثوار مزقوه، المؤيدون له والمعارضون على حد سواء، والجيش والشرطة لم ينفذوا له أمرًا ولم ينتووا لأنه من خارج العائلة العسكرية المالكة؛ فلو كان الرجل ضعيفًا، فأنتم يا أهل الثورة من أضعفتموه، ولو كان هشًا كما تحبون أن تروجوا لتميتوا ضمائركم، لما وقف بشجاعة ليلقي آخر خطاب له، وهو يعلم أنه لا محالة سيلقى في غيابات جب لن يلتقطه منه سيارة، وإلى اليوم ما زال لديه اختيار أن يخرج هو وفصيله في مقابل أن يبيع قضية لم يفرط فيها وبعتموها أنتم بثمن بخس.

إن كان لمرسي خطيئة، فهي رهانه على شعب ذاق طعم الحرية، وتصور أنه لن يضحي بها بأي ثمن، رهانه كان على أمعاء أذابها شوب من حميم الظلم تمنت أن تخرج من أصل الجحيم، فظن أنها ستحارب كي لا تعود إليه، والحقيقة أن خطيئة من حسبوا أنفسهم على ثورة يناير أكبر حين عادوا وأكلوا من شجرة العسكر، فخرجوا وأخرجونا معهم من الجنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد