أحدث انقلاب 15 يوليو الفاشل على أردوغان حالة من النقاش والإسهاب الفعال حول عقد المقارنات بين الرئيس أردوغان ومرسي فك الله أسره. حول أسباب الانقلاب ومنهجية إدارته من قبل النظام والانقلابيين في كلا البلدين. وعلى الرغم من أن أهل الساسة والشؤون الإستراتيجية أفاضوا بمنظورهم وخبرتهم، إلا أن هناك إشكالية مهمة لا بد وأن ينظر إليها بعين الاعتبار، وهي كيفية إدارة الانقلاب لدى مرسي وأردوغان، وهل أخفق مرسي وفشل في إدارة الأزمة فيما أثبت أردوغان قوته وبأسه، بل ووضع نظريات جديدة في إستراتيجيه التعامل مع الانقلابات تضاف إلى فروع العلوم السياسية.

ليس من الإنصاف عقد المقارنات العشوائية بين مرسي وأردوغان لإثبات فشل الأول ونجاح الثاني، ولكن بمقتضى الأحداث الحالية ثمة ضرورة لمعرفة أسباب الإخفاق والنجاح لدى الطرفين، حتى تكون مرجعا وعلما يُدرّس لمن يأتي بعدنا، وحتى لا نكرر أخطاء الماضي وندفع الثمن من قتلى وجرحى ومعتقلين ومطاردين. فالأمر أيسر من ذلك بكثير – فقط- على من أخد بالأسباب واحترم السنن الكونية.

يتوقف قرار مسؤول ما من حيث الصواب والخطأ على مدى كفاءة الفريق المعاون له، وبالنظر إلى الحالة المصرية والتركية تجد بونا شاسعا في كفاءة ومهارة الفريق المعاون لكلا الرئيسين، وبعقد المقارنة بينهما تجد الآتي.

حاقان فيدان ـ بن علي يلدرم

ويكفي بهولاء مقارنة، فالأول رئيس جهاز المخابرات التركي والذي وصفه الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بحافظ أسراره، ويطلق عليه الأتراك يد أردوغان الضاربة، ومعروف عالميا بأنه الرجل الذي تخشاه إسرائيل، شهد جهاز المخابرات التركية في عهدة نقلة نوعية كبيرة، وانتقل من جهاز مترهّل محاط بالخلافات الداخلية من كل اتجاه، إلى جهاز من أقوى وأنجح أجهزة المخابرات في العالم.

تولّى فيدان مهمة فنّي حواسيب في قسم معالجة البيانات التلقائية التابع للقوات البرية التركية، وأثناء تأديته لمهمة في خارج البلد، حاز على درجة البكالوريوس بجامعة ميريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية في العلوم السياسية والإدارة.

بعد عودته إلى تركيا حصل على درجة الماجستير من جامعة بيلكنت في فرع العلاقات الدولية، وقام بتحضير بحث الماجستير بعنوان «مقارنة بين نظام الاستخبارات التركي والأمريكي والبريطاني» في عام 1999، أشار فيه إلى حاجة تركيا لشبكة استخبارات خارجية قوية جدا، كما حصل على درجة الدكتوراه عام 2006من جامعة بيلكنت، عن بحث بعنوان «الدبلوماسية في عصر المعلومات: استخدام تكنولوجيا المعلومات في التحقق».

هاكان الملقب بكاتم أسرار أردوغان نجح في دفع الانقلابيين لتعجيل تحركاتهم الانقلابية قبل موعدها المقرر في خطتهم بـ7 ساعات، ما ساهم في إفشال انقضاضهم على الدولة.

وبحسب معلومات خاصة لـ«هافينغتون بوست عربي» فإن جهاز الاستخبارات رصد في الساعة الرابعة من عصر يوم الانقلاب محادثات مشبوهة قد تشير إلى أن هناك تحركات قد تؤدي لانقلاب عسكري في البلاد، ما دفع رئيس الجهاز خاقان فيدان بالتوجه إلى قيادة الأركان فورا، والتقى برئيس الأركان في حدود الساعة الرابعة والنصف وأطلعه على هذه المعلومات، ولم يستطع فعل أكثر من ذلك، لأن جهاز الاستخبارات ليس لديه الصلاحيات اللازمة لمتابعة الجيش.

بعد التحركات السريعة لها كان رأي الانقلابيون أن المخابرات بدأت تتابع الأمر فخافوا من انفضاح المؤامرة وقرروا تقديم خطة الانقلاب المقررة في الساعة ٣ صباحا والمباشرة بها فورا، وكان ذلك في حدود الساعة 8 مساء الجمعة.

ولما حمي الوطيس وتسارعت الأحداث وصدقت تنبؤات هاكان، أمر للتو جميع أفراد جهاز الاسخبارات بالاشتباك مع الانقلابيين والتصدى لهم حتى الموت.

الرجل الثاني والذي أعقد به المقارنة هو بن علي يلدرم رئيس مجلس الوزراء التركي والذي أسهم بنصيب ليس بالقليل في إدارة الأزمة من خلال تحركات وتصريحات إعلامية استطاع بها تضييق الخناق على الانقلابيين.

علي بن يلدرم درس العمارة البحرية وهندسة المحيطات في جامعة إسطنبول التقنية، وحصل عام 1991 على درجة الدكتوراة التخصصية من المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة.

تخصص في الهندسة والملاحة البحرية، وأشرف على العديد من مشاريع البنى التحتية والنقل البحري، وتولى وزارة المواصلات في جميع حكومات حزب العدالة والتنمية منذ 2002، باستثناء الفترة من 2013 إلى 2015.

أنجز خلال توليه منصب وزارة النقل والملاحة البحرية في تركيا العديد من المشاريع الاستثمارية والتي تقدر بنحو 85 مليار دولار أمريكي، وكان الإنجاز الأكبر له هو المخاطرة ودخول تحدٍّ في استكمال مشروع العصر ميترو مرمراي الذي يصل القارتين الآسيوية والأوروبية تحت الماء، إضافة إلى نفق أوراسيا للسيارات، علاوةً على جسر السلطان سليم الأول، وجسر خليج إزميت الواصل بين إسطنبول وإزمير.

وفي 19 مايو 2016 أصبح يلدرم رئيسا للوزراء.

أما أردوغان الرئيس ذو الكاريزما والمفوه إعلاميا، فهو خريج جامعة مرمرة للاقتصاد والعلوم الإدارية، والذي استطاع في فترات حكمه ترويض ما لا يروض وتثبيت أركان حزبه في الحكم إلى الآن.

بل أعتقد أن أهم إنجازات أردوغان هي براعته في اختيار حكومته ومسؤولي الدولة، فعلى سبيل المثال:

قام أردوغان بتغيير وزاري في ديسمبر 2013 شمل عشر وزارات، بالاستعراض السريع لمؤهلات العشرين وزير (القدامى والجدد)، تجد منهم 18 وزيرًا حاصلا على درجات الماجستير في العلوم السياسية أو الإدارة العامة أو إدارة الأعمال، أما الاثنان الباقيان، فكلاهما حصل على دكتوراه أو ماجستير في المجال المتعلق بوزارته.

إن ما زرعه أردوغان حصده اليوم، حيث استطاغ تقديم أداء جيد للشعب التركي طوال الفتره الماضية، والذي وقف بجانبه لما استنفره وطلب مساعدته في الأزمة الأخيرة.

إن قيمة هذه العلوم وتلك الدراسات الأكاديمية التي لا تخلو السيرة الذاتية لمسؤول تركي منها أسهمت بشكل كبير في إدارة الانقلاب كما هو الآن، فالعلوم الإنسانية عامة تكسب صاحبها نظرة مختلفة تماما لا تعطيها العلوم التجريبية لأصحابها.

وبالانتقال إلى المشهد المصري، وقبل الحديث، هناك نقطة تأسيسية، هي أننا لا نقارن هنا مقارنة عامة، فهذا ليس من المنطق في شيء لاختلاف التاريخ والجغرافيا، ولا نسهب في هذا الأمر كثيرًا، إلا أن هذا لايعفي الرئيس مرسي من مساءلته حول ما حدث والقرارات السياسة المتخذة منذ توليه مهمة الرئاسة وحتى يوم انقلاب 3/7.

فالرئيس مرسي مع تقديرنا الكامل له والإشادة بثباته وصموده إلا أنه لم يكن على قدر المكانة والمهمة، فضلا عن الحالة الثورية والسياسية، كذلك أن تكون برلمانيا سابقا، ولا حتى أفضل برلماني في العالم ليس كافيا حتى تتولى هذه المهمة الخطيرة.

وبالنظر إلى الفريق المعاون لمرسي، تجد أمرا في غايه الأسف عندما تعقد مقارنة بينه وبين الفريق المعاون لأردوغان، ولك أن تعلم أن مدير مكتب رئيس الجمهورية، والذي كان ينسق مهام الرئيس، والمحال إليه ملفات الأمن القومي والعلاقات الخارجية، وهو الدكتور أحمد عبد العاطي والحاصل على بكالوريس العلوم الصيدلية من جامعة الزقازيق.

والدكتور ياسر علي أحد أهم أعضاء الحملة الرئاسية للدكتور مرسي، والذي عين بعد ذلك متحدثا رسميا باسم رئاسة الجمهورية، ثم رئيسا لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، الجدير بالذكر أن الدكتور ياسر علي حصل على درجة الماجيستير في الأمراض الجلدية.

أما الدكتور عصام الحداد: مساعد رئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية، فهو حاصل على الدكتوراه في الطب، قسم التحاليل، وليس له أية خبرة سابقة أو دراسة في العلاقات الخارجية، وقس على هذا الغالبية العظمى من مساعدي مرسي ودوائر اتخاذ القرار في حكومته.

لن يستطيع المدنيون أينما كانوا ترويض البندقية إلا إذا تأهلوا لهذه المهمة الصعبة، وأول التأهيل هو دراسة العلوم الإنسانية وعلوم التخصص، والاستعانة بأهل الخبرة وبمن قضوا أعمارهم في فهم طبيعة الحياة ومعرفة سنن الله في خلقه.

فليس المعيار بقدرة تنظيم على الفوز في الانتخابات فحسب، ولكن للسياسية أهلها، فكما قال الفاروق عمر (تفقهوا قبل أن تسودوا)، فهلا تعلمنا من الدرس؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مرسي
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد