لا صوت الآن يعلو فوق صوت المعركة الدائرة بين المستشار: مرتضى منصور والإعلامي الشهير: عمرو أديب.

في المساء تلتف العائلات حول أجهزة التلفاز وهم يتابعون بشغف أحداث تلك المعركة وتفاصيلها الجديدة، وفي الصباح ينطلق أفراد العائلة إلى أعمالهم فلا يجدون موضوعًا لتسليتهم وإضاعة ساعات عملهم الرتيبة الكئيبة الطويلة المملة إلا ما يُستجد من أحداث مثيرة شيقة لتلك المعركة.

معركة مرتضى-أديب ظهرت على الساحة الإعلامية المصرية بعد عدد كبير من المناوشات السابقة بين الطرفين.

بدأت تلك المعركة عندما قام مرتضى منصور بسب الإعلامية لميس الحديدي «زوجة عمرو أديب» ذات الثقل الإعلامي الكبير على الساحة الإعلامية المصرية، مما أدى لقيام عدد من القنوات بحظر ظهور المستشار على شاشاتها، وهو الأمر الذي لم يعجب رئيس الزمالك فظهر على شاشات بعض القنوات الموالية له وهاجم جميع من عارضوه وانتقدهم بشدةٍ وعنفٍ معروفيْن عنه.

بعد فترة قصيرة تأججت نار المعركة في أعقاب هزيمة الزمالك من الأهلي، حيث تم استخدام تلك الهزيمة في نقد مرتضى منصور والتعريض بسياسته، ومن باب «اللعب في الماء العكر» استغل عمرو أديب الموقف ‹كعادته› أحسن استغلال وأعلن عن إجرائه حوارًا مع أحمد حسام «ميدو» المدير الفني السابق للزمالك والذي كان قد دخل ‹هو الآخر› في صدام وتصريحات عدائية متبادلة مع رئيس الزمالك. هنا جن جنون المستشار البرلماني وانطلق في حشد حملة معارضة ضارية ضد أعدائه وبدأ في جمع توقيعات من أعضاء البرلمان المصري لوقف برنامج القاهرة اليوم الذي يقدمه عمرو أديب.

وردًا على ما فعله مرتضى منصور، خرج أديب في برنامجه ليعلن «الحرب المقدسة» على المستشار، وأقسم بكل ما هو عزيز لديه أنه سوف يبذل كل رخيص وغالٍ في سبيل نصرة قضيته العادلة، ووضح أنه سوف يستمر في معركته حتى ينتصر أو أن يُقضى عليه، كما أنه وجه دعوة لجميع المصريين من أنصار الحق ورافضي الظلم والطغيان للوقوف معه في معركته.

وعندي عدد من الملاحظات حول ذلك الموضوع والتي أود أن أشير إليها في النقاط الآتية:

أولًا

هل هناك من يتابع الآن مستجدات قضية الأطباء الذين تم الاعتداء عليهم بواسطة أمناء الشرطة؟

وماذا عن قتيل الدرب الأحمر الذي تم قتله على يد أمين شرطة آخر؟

لماذا دائمًا ما نجد أن هناك قضايا إعلامية ملفقة مختلقة تتم إثارتها في مجتمعنا للتغطية على قضايا أخرى ذات أهمية وتشغل بال قطاعات واسعة من المجتمع؟

هل يمكن أن نعتبر ذلك يحدث بفعل نظرية المؤامرة وأن هناك فاعلًا خفيًا يتحكم في إثارة بعض المشكلات في بعض الأوقات بعينها للتغطية على مشكلات أخرى، ويريد هذا الطرف أن ينساها الناس أو يتناسونها؟ أم أن ما يحدث يجري بشكل تلقائي عشوائي تم فرضه واختلاقه بسبب الفوضى والارتباك الضاربيْن في المجتمع مما يخلق حالة مما يمكن أن نسميه الفوضى الخلاقة أو إن شئت الدقة الفوضى الهدامة؟

ثانيًا

من هو مرتضى منصور ومن هو عمرو أديب؟

الأول رجل قانون بدأ حياته المهنية خلف المنصة ثم اختار طواعيةً أن يبدل مكانه ليصبح أمامها ليدافع عن المتهم ويبعد عنه أي ضرر ممكن بعد أن كان يكيل له الاتهامات ويطالب المحكمة بأن تطبق عليه أقصى عقوبة.

وعبر تاريخ طويل استطاع مرتضى أن يثبت وجوده كواحد من أهم المحامين الموجودين على الساحة في مصر، وشيئًا فشيئًا زادت شهرته وعلا صيته خصوصًا بعدما عُرف بقدرته على استغلال ثغرات القانون في صالح موكليه.

وسرعان ما بدأ المستشار السابق والمحامي الحالي في الظهور على الساحة السياسية فدخل مجلس الشعب المصري وظهر على الساحة الإعلامية بقوة، وكذلك فقد لمع اسمُه كعضو نشط في مجلس إدارة نادي الزمالك.

وسنة وراء أخرى زادت سطوة مرتضى منصور فأصبح يستغل خلفيته القانونية ليس فقط في نصرة موكليه بل وفي إسقاط أعدائه ومناوئيه عبر الدخول معهم في معارك قانونية، إعلامية طويلة المدى تنتهي بإسقاطهم بعد إنهاكهم واستنزاف مواردهم، ولعل معركته مع شوبير هي المثال الحي على ما نحكيه.

بعد ثورة 25 يناير اتُّهِم مرتضى منصور بأن له دورًا في مقتل وإصابة عدد من الثوار في ميدان التحرير في ما عُرِف إعلاميًا بموقعة الجمل، ولكن ولأن الثورة لم تحكم ولم تفرض سلطانها فإن مرتضى منصور لم يتم توقيفه أو حبسه بالرغم من صدور أحكام قضائية ضده.

وبعد أن انكسرت الموجة الثورية ليناير على يد الإخوان ومن تابعهم من القوى الإصلاحية فإن مرتضى بدأ يبحث لنفسه عن دور جديد في تلك المرحلة، فقام باختيار الوقوف في صف القضاء وأعلن عن وقوفه مع القضاة في معركتهم المجيدة ضد قوى الظلام والرجعية الإخوانية التي تريد تغيير وجه الوطن وتبديل هويته وقيمه التليدة الخالدة.

بعد 30 يونيو كان الباب قد انفتح على مصراعيه أمام مرتضى للدخول في خضم العملية السياسية من جديد، ولمَ لا وهو الذي كان واحدًا من أهم رموز المعارضة للنظام الإخواني الغابر.

رئاسة مجلس إدارة نادي الزمالك. الحصول على عضوية البرلمان المصري بعد اكتساح الانتخابات وتحقيق نتيجة قياسية في عدد الأصوات التي حصدها، بل ونجاح ابنه في الحصول على عضوية البرلمان بعد الفوز على منافسه المباشر الدكتور عمرو الشوبكي في مفاجأة مدوية. ليس ذلك فحسب بل ظهور إعلامي متكرر على جميع القنوات الفضائية بما يتضمنه ذلك الظهور من فقرات شبه ثابتة لسب وقذف جميع أعدائه ومنتقديه وإسقاطهم بالضربة القاضية حتى أصبح الجميع يخشاه ويحسب له ألف حساب، خوفًا من لسانه السليط الذي لا يتورع صاحبه عن استخدامه في توجيه أكثر الألفاظ فُحشًا وبذاءة ضد من يقف أمامه.

أما عمرو أديب فشهرته لا تقل عن شهرة صاحبه؛ فهو واحد من أشهر الإعلاميين ومقدمي برامج التوك شو على الساحة الإعلامية المصرية والعربية.

أديب صعد سلم النجاح والشهرة مستغلًا حضوره الإعلامي المتميز وكفاءته في إثارة القضايا الحساسة مثل القضايا المتعلقة بالأوضاع السياسية والدينية والاقتصادية. عمرو استغل فرصة ذهبية سمحت بها الظروف نتيجة لعمل أخيه الأكبر عماد في العمل الإعلامي، حيث ترك الأخ الأكبر لأخيه مكانه في برنامجه «القاهرة اليوم» الذي يذاع على قناة اليوم سعودية التمويل.

عمرو أديب استغل الفرصة على أفضل وجه ممكن، فنجح في أن يجعل برنامجه مُتابعًا من قبل ملايين المشاهدين الذين اعتادوا على أن يجعلوا من برنامج عمرو أديب فقرة ثابتة في برنامجهم اليومي.

ومن أكبر الأدلة على ذلك أن قناة اليوم أصبحت قناة مطلوبة بالاسم من قبل جميع المواطنين الذين أدخلوا وصلات الدش والريسيفر المجرمة قانونًا إلى بيوتهم لمتابعة القاهرة اليوم.

سياسة عمرو الإعلامية اعتمدت على نوع من أنواع الخبث الإعلامي المدروس الذي أثبت فعاليته على الكثير من الأصعدة.

يقوم عمرو – منفعلًا عالي الصوت – بتوجيه النقد الظاهر للحكومة ومهاجمة رموزها بدايةً من أصغر مسؤول وحتى رئيس الوزراء شخصيًّا.

وفي نفس الوقت يقوم شريكه في تقديم البرنامج بإبداء تأييده لسياسات الحكومة وتعاطفه معها وتفهمه إياها وهو يرسم على وجهه ملامح الهدوء والتحضر والعقلانية.

وما بين عمرو «الغاضب الذي يمثل دور التعاطف مع الشعب بمهارة وحرفية يحسده عليها كبار الممثلين» وشريكه في التقديم «الكومبارس الهادئ الذي يمثل الحكومة المغضوب عليها» تدور مسرحية هزلية يومية الغرض منها إلهاء الشعب وإقناعه بأن العدالة موجودة والقانون يحكم، وأن الحياة في مصر هي أفضل حياة ممكنة. ووسط كل ذلك السخف والتمثيل ظل رئيس الجمهورية شخصية مصونة لا تمس ولا ينالها النقد من بين يديها ولا من خلفها، ففي الكثير من المواقف أظهر أديب احترامه وتوقيره لحسني مبارك وأعلن مرارًا وتكرارًا عن أحقيته في رئاسة البلاد لفترات عديدة متوالية.

مدرسة عمرو الإعلامية تخرج فيها العديد من الإعلاميين الذين بدؤوا حياتهم المهنية ككومبارس صامت هادئ يشغل الكرسي المجاور لكرسي عمرو، حتى إذا ما أُتيحت لهم الفرصة بعد ذلك نجدهم قد اشتهروا وقدموا برامج مستقلة خاصة بهم فيما بعد، ومن أبرز هؤلاء:

خيري رمضان

أحمد موسى

مصطفى شردي

أديب تعرض لكبوة كبيرة في عام 2010 م عندما اصطدم برجل الحزب الوطني القوي حينذاك أحمد عز، مما أدى إلى حدوث تدخل سياسي كانت نتيجته إغلاق برنامج القاهرة اليوم وتوقيفه.

أثناء ثورة يناير وجد أديب الفرصة الإعلامية للظهور على بعض القنوات واستغل تلك الفرصة في إظهار تعاطفه المبالغ فيه مع الثورة وإعلان غضبه ونقمته على النظام الحاكم المستبد الديكتاتوري الطاغية «لذي كان وقتها يظهر لكل ذي عينين أنه يتداعى وأنه قريبًا ما سوف يسقط جراء الضربات القوية العنيفة الموجهة له».

عمرو خرج في فيديو شهير وهو منفعل بشدة ويكاد يبكي وهو يندد بالنظام الذي كان جهازه الأمني يعذب المواطنين في أقسام الشرطة ويذلهم ويهينهم ويستنزف كرامتهم.

بعدها رجع أديب إلى برنامجه الشهير مرة أخرى بعد أن صبغه بصبغة جديدة تتماشى مع الظروف الثورية المحيطة، وسرعان ما عادت نجاحاته الإعلامية إلى سابق عهدها.

وفي محاولة لإيجاد دور له، قام عمرو أديب بتقمص دور الإعلامي الليبرالي الذي يدافع عن مدنية الدولة ضد الهجمة الظلامية الإخوانية الشرسة، فكان أحد المعاول التي عملت على ضرب النظام الإخواني الحاكم وكُللت مساعيه بالنجاح الباهر بعد 30 يونيو، فوجد المجال سانحًا له لإتمام ما بدأه من قبل فاستمر في التحريض على استئصال شأفة الإخوان وقطع دابرهم، ولم يكتفِ أديب بذلك بل إنه في الكثير من الأحيان استخدم ألفاظًا وشتائم أقل ما توصف به أنها بذيئة ومنحطة لسب الإخوان والتعريض بهم.

ثالثًا

إذن فكل من الشخصيتين بدأ نجمه في الظهور في عهد مبارك، وكل منهم استطاع أن يغير جلده ليتوافق ويتماهى مع الفترة الثورية بعد يناير 2011م ولكنهما سرعان ما عادا إلى سيرتهما الأولى في أقرب فرصة.

مرتضى منصور هو أسوأ وأحط شخص في مصر بلا جدال ولا مناقشة، وعمرو أديب هو ثاني أكبر شخصية منحطة في المجتمع.

الاثنان أساءا كثيرًا إلى العديد من الأفراد والمواطنين بل وأساءا إلى المجتمع برمته.

مرتضى استخدم خبراته القانونية في إحداث ثغرات ضخمة الحجم في القانون، ثغرات بلغ من ضخامتها أن أصبحت دوائر متسعة سمحت بعبور وتمرير كمية هائلة من القذارة والانحطاط الخلقي، ثغرات وصلت إلى الحد الذي أصبح فيه القانون مجرد ذكرى باهتة لعدالة غابت عن ذلك المجتمع.

أما عمرو أديب فاستغل موقعه وصيته الإعلامي في توجيه الرأي العام وتشويه عقليته الجمعية وإفساد فطرته الفكرية.

الاثنان أبعد ما يكونان عن المجتمع المصري وطبقته المتوسطة العريضة «التي بدأت في التآكل»، الاثنان استغلا ذلك المجتمع لبناء السطوة والنفوذ والشهرة.

والآن كل منهما يحاول أن يستدعي ذلك المجتمع ليستخدمه في مواجهة الآخر.

مرتضى أعلن نفسه حاميًا ومدافعًا عن المصريين وبرر هجومه على أديب بكون الأخير قد أساء إلى أهل ذلك البلد، أما أديب فقد أعلن أنه سوف يدافع عن الأخلاق والمبادئ التي يتميز بها أهل مصر ضد مرتضى منصور الذي أهانها.

والمجتمع وطبقته الوسطى أمام كل ذلك يكتفيان بالمشاهدة الممتعة التي يقدمها طرفا المعركة لهما في فقرات شبه يومية على شاشات التلفاز وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

متى يفك ذلك المجتمع القيود التي تكبله وتعيقه؟

متى يرمي بتلك الشخصيات المنحطة في مزبلة التاريخ ليستثمر وقته وجهوده في حل مشكلات ومسائل أكثر أهمية وجدوى؟

سوف يشهد التاريخ أن مصر بعد ثورة يناير لا يزال أبناؤها يعيشون في فلك فكري هو نفسه الذي كان سائدًا قبل الثورة، كأنما لا ثورة قامت في تلك البلد ولا أنظمة سياسية تبدلت ولا مات في سبيل ذلك التغيير أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد