يحب دين مارتن ورائعته sway، يشعر ربما بحميمية متزايدة تجاه فريق حزمة الجرذان، أشهر الفرق الغنائية في ستينيات القرن الماضي، بينما يُنصت مستمتعًا إلى دين مارتن يتابع مؤشرات برامجة الخاصة بالتجسس المنتشرة في 45 دولة في العالم، وتحمل ختم شركة NSO، إنه الشريك المؤسس لتلك الإمبراطورية لأمن المعلومات – عُمري لافي- الإسرائيلي الجنسية.

اخترق آيفون بكل حمايته الأمنية برسالة نصية واحدة عبر برنامج التجسس بيجاسوس، ومن ثم جلس في مكتبة بالولايات المتحده الذي يعلو مكتب مجلة فوربس الشهيرة؛ كي يتابع مؤشرات الأموال التي تُضخ لشركته من كل أنحاء العالم، ولديه مكتب آخر في الكيان الصهيوني بشارع Herzelia في شمال تل أبيب المحتلة.

لافي بَدين وغامض، وبعيد عن التصريحات الصحفية، عمل في الوحدة 8200 في جيش الدفاع الصهيوني، وهي وحدة متخصصة للتجسس الإلكتروني وفك الشفرات.

برنامج بيجاسوس الذي ابتدعه لافي وشركاه في شركة NSO، والتي أسست في العام 2010 قادر على سحب الآتي من هاتفك الذكي دفعة واحدة، عبر رسالة خبيثة أو برابط منطقي من الإنترنت يُمكنك من الضغط عليه: رسائلك النصية، قائمة بريدك الإلكتروني، صورك الخاصة على هاتفك، قائمة بحثك عبر الإنترنت، قائمة أرقام الهاتف، تسجيلاتك الصوتية، تسجيل مكالماتك الهاتفية وكل شبكاتك الاجتماعية عبر البرامج الخاصة في هاتفك.

إنه يُهينك ويُنهيك ويقضي عليك تَجسسًا وتلصصًا، ويكسب المال في الوقت ذاته. فنسخته تقدر بـ55 مليون دولار أمريكي.

مختبر سيتزن لاب البحثي بجامعة تورنتو بكندا، تعقب أنشطة شركة NSO، المختبر حدد أن برنامج بيجاسوس للتجسس يعمل عبر 36 مشغلًا في 45 دولة في العالم، منهم مصر، والجزائر، والبحرين، والإمارات، وفلسطين، وقطر، والسعودية، وتونس، واكتشف المختبر أن أكبر مشغلات لبرنامج التجسس بيجاسوس تعمل في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي.

الإمارات العربية المتحدة واحدة من دول المجلس، استهدفت الناشط الإماراتي أحمد منصور الحاصل على جائزة مارتن إينالز التي تمنحها فرنسا في مجال حقوق الإنسان، وتجسست المملكة العربية السعودية على المعارض السعودي المقيم بكندا عمر عبد العزيز عبر البرنامج نفسه، بينما تعاملت البحرين مع برامج أخرى للتجسس لتهديد صحفيين ومعارضين من إصدارات شركة NSO.

تغفو الشعوب العربية مضطربة، حائرة ومتسائلة دومًا عن المجهول، ويغفو مسؤلو الأمن مطمئنين بأن الشعب قيد التسجيل والتجسس، ولا تغفو برامج التسجيل والتحليل المرتبطة ببرامج شركة NSO الصهيونية، التي بيعت لأجهزة المخابرات الخليجية والعربية بالمليارات لنفيذ مهمات تجسس على المعارضين والمواطنين على حد سواء.

NSO الصهيونية شركة أمنية واحدة من ضمن أربع شركات خاصة في مجال الأمن المعلوماتي والاستخبارات، التي ظهرت في 2018 وهم blackcube وFifth Dimension وPsy-Group.

جميعهم شركات مثيرة للاهتمام، لكن الأكثر إثارة هي شركة بلاك كيوب، أو المكعب الأسود، والتي تعد ذراعًا يمنى للموساد الإسرائيلي، لكن في نمط شركة ربحية خاصة أُسست هي الأخرى في العام 2010.

لا تخلو بلاك كيوب من الفضائح والسقطات، وفي طيات هيكلها الإداري والوظيفي عُتاة متقاعدون من جهاز الأمن الإسرائيلي الموساد والشاباك، تأسست على يد دان زوريلا، عضو سابق في وحدة استخبارات النخبة في جيش الدفاع الإسرائيلي، وآفييانوس خدم في الجيش الإسرائيلي مسؤولَ تخطيط استراتيجي، وكان لديها رئيس شرف عامل أساسي ضمن هيكلها الإداري والوظيفي، وهو مائير داغان رئيس جهاز الموساد منذ عام 2000 حتى 2012.

تهوى الشركة المقرات الهادئة؛ فلديها مقرات رسمية في كل من لندن، وباريس، وتل أبيب. لديها موقع رسمي على شبكة الإنترنت تتداخل به ألوان الأسود والأزرق؛ كي تضفي عليه رونقًا كلاسيكيًّا غامضًا، وفي طيات الموقع تقول الشركة بعلو صوتها نحن هنا نقدم لك الآتي، خدمات التجسس، الاستثمار الاستخباراتي، استخبارات تجارية، خدمات دعم الدعاوى القضائية، جمع معلومات الأعمال التجارية، الأدلة وتوفير معلومات استخبارية لتحديد الأصول، واكتشاف مؤشرات الفساد أو تضارب المصالح، ونعمل في أكثر من 60 دولة حتى الآن.

تناطح بلاك كيوب بعملائها في مجال شركات الأعمال، وفض المنازعات، عبر جواسيس وعملاء على هيئة رجال أعمال وأصحاب شركات كبرى، تستأجرهم أي من المؤسسات المالية والاستثمارية الكبرى لتصفي نزاعًا ما مع أخرى، يُسجل العملاء للشركة المستهدفة أو يسرقون وثائق معينة، ومن ثم يتقاضون المال مقابل الوثائق والتسجيلات وُتفض المنازعات.

عملاء بلاك كيوب في السوق الإيطالي لصالح من؟!

استأجرت شركة نسداك الأمريكية التي تعمل في مجال التأمين شركة بلاك كيوب، كي تنهي لها نزاعًا مع الوسيط الإيطالي أنطونيو سوم والشركة الإيطالية AmTrust، التي كانت تُسير أعمال الشركة الأمريكية في إيطاليا، إذ كانت تنوي الشركة الإيطالية الحصول على مبلغ 400 مليون يورو من نظيرتها وشريكتها الأمريكية، وبعد خداع عملاء بلاك كيوب الوسيط الإيطالي أنطونيو في جلسة عمل وتسجيلهم حديثًا له عن التلاعب بالقضية لخداع الشركة الأمريكية، أرفقت مستندات وتسجيلات خاصة بأنطونيو بعد أربعة أشهر من المقابلة بعملاء بلاك كيوب المنتحلين صفة رجال أعمال، قدمت هذه المستندات والتسجيلات من شركة بلاك كيوب لشركة نسداك الأمريكية، فهبط المبلغ عبر التحكيم حتى 60 مليون يورو في عام 2013 وانتهت القضية.

فضيحة رومانية

فَضحت شركة بلاك كيوب خلال عملها على قضية استخباراتية في رومانيا، حينما أرسلت عملاء سريين استأجرهم مسؤولون كبار في الحكومة الرومانية للتجسس وجمع معلومات عن رئيسة جهاز مكافحة الفساد في البلاد، أُلقي القبض على العملاء الإسرائيليين التابعين لشركة بلاك كيوب في 2016 وحوكموا بتهمة قرصنة ملفات مسؤولة مكافحة الفساد في رومانيا.

إسرائيل تُسيِّرُ عالمًا من أجهزة المخابرات الخاصة في شكل شركات تتقاضى الأموال مقابل العمل الأمني الإلكتروني والمخابراتي، بالتعاون مع أجهزة الأمن والمخابرات العربية في دول عدة، والمستهدف الوحيد هو طحن الشعوب العربية، وفي القلب منها المعارضون للأنظمة السلطوية الديكتاتورية، وهم بين رحى رسالة نصية خبيثة للاختراق، أو رابط عبرالإنترنت مشبوه المصدر، أو مطاردة ما لتحديد أماكنهم واستهدافهم كونهم يتبنون سياسة مناهضة لتلك التي تتبناها إسرائيل؛ لذلك كل معارض هو مشروع ضحية محتمل بالاستهداف إسرائيليًّا بالشراكة مع رؤوس أمنية عربية؛ فالأنظمة العربية بالمقام الأول تتفاوض على برامج التجسس تلك بالمليارات، وتتعاقد مع بلاك كيوب وأشباهها كي تفسد صفقات ما، أو تجمع معلومات عبر عملاء سريين عن شخصيات معارضة، قد يرقى الأمر لاغتيالها، أو نشر إشاعات ومعلومات خاصة عنها، وما NSO الصهيونية ببعيدة عن كل تلك الممارسات، حكاية مَن يسبق مَن استخباريًّا في الشرق الأوسط، الأنظمة العربية أم جهاز الأمن الإسرائيلي؟! ولا منشورات عزاء للمواطن العربي في نضاله أو في طموحه نحو حرية فقدت جناحيها بين أروقة التعذيب في الشرق الأوسط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد