في الحديث عن خيبة المثقف العربي بحثت عما أفتتح به كلامي لأعثر على قول المفكر الإسلامي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله إذ يقول:
«عندما يدرك الناس أن الدولة تدار لحساب نخبة وليس لحساب أمة، يصبح الفرد غير قادر على التضحية من أجل الوطن وينصرف للبحث عن مصلحته الخاصة».

أسئلة قاد بعضها بعضًا
لم يعاني المثقف العربي من الخيبة والإحباط ويكثر من التذمر واليأس؟
ولم يفشل في إيجاد مشروعه العلمي والمعرفي لتستنزف أحلامه كاملة ولتختزل في نهاية المطاف في وظيفة لم يفكر بها يومًا؟!
ولم يرضى أخيرًا بوظيفة عادية بدوام محدد وراتب ينتظر كل شهر كانتظار أمة لبطلها المنقذ؟
ولم فقد ذاته في عالمه العريي ليجد نفسه أخيرًا هناك، في بلاد غربية لينتمي لأمة لا تنتمي للغته ولا لتاريخه أو ثقافته وحضارته ليبدع في غير أمته وينتج لها؟
ولم تفشل المشروعات المعرفية الكبرى في أوطاننا فيتفرق المجتمع ولا يجتمع المفرق لتتفرق تلك الأدمغة المجتمعة وتضيع سدى؟
َولو فتش أحدنا عن جواب لوجد أن أقرب الأجوبة قربًا من أوضاعه وتمثيلًا لواقعه يكمن في «سوء استغلال الموارد البشرية».

ويرتكز هذا السوء على ركنين أساسيين
1 – عامل داخلي: معلوم لدى أي ملاحظ لحركة المجتمعات أن النابغة في أي مجتمع هم الخامة البشرية الأولى، وإن المجتمعات اليوم لم تعد تفتخر بعدد سكانها بقدر افتخارها بنوعية النخبة الموجودة، ولذا نجد في الدول المتقدمة والمتطورة اهتمامًا بالغًا بشأن النخبة والعمل على رعايتهم والتكفل بهم وتجهيزهم للتفرغ التام أو شبهه لمراكز الأبحاث المختلفة والمتنوعة ليبدعوا في مجالهم ولتستثمر طاقتهم على النحو الأمثل.

 فإذا ما أتينا إلى العالم العربي ستجد أن إهمال وإهدار الطاقات النخبوية قائمة على عوامل عدة منها:

أ-البؤس الثقافي: والبؤس الثقافي بات ظاهرة في أوطاننا العربية، فكيف تريد لإنسان أغرقوه في هموم يومية ومشاكل متعددة وعراقيل كثيرة أن يفكر في الإنتاج والإبداع فضلًا عن القراءة والكتابة، بعد أن غرق في مستنقع متطلبات الحياة الكثيرة والمتشابكة، وبات أسير اللحظة، يعيش يومه كما هو فما أنت بصدده لا يمكنك أن تجلس يومًا لتفكر في نفسك فضلا عن التفكير في غيرها.

ب-المشاريع العبثية: وتلك لا تقل بؤسًا عن سابقتها، حيث لم يجد المثقف العربي نفسه في مشروع جاد يمكنه الانخراط به وبذل جهده وماله ووقته، بل هي مشاريع عبثية وفارغة تغري المثقف والباحث بأسمائها اللامعة لكنها سرعان ما تنطفئ والطابع الغالب لتلك المراكز والمؤسسات يغلب عليها طابع الشخصنة والأنا والاعتداد بالنفس، ولا يلبث أن ينخرط بها ليجد اللهو وانعدام الجدية بل قل وقلة المصداقية، وتلك لا تنتج إنتاجًا حتى تتوقف بعدها وصرفت الباحثين منها وربما أغلقت تلك المراكز وتحولت إلى مقهى ربما!

ج-العامل السياسي: وهو أن يجد المثقف العريي نفسه ضمن مشروع جاد لكن وللأسف كما كثير من المشاريع المعرفية في أوطاننا مرتهنة بمشروع سياسي، ومعروف أن المشاريع المعرفية الكبرى التي تدعمها الحكومة أو جهة سياسية معينة يكون عمرها عمر الممول السياسي، فأي حدث سياسي يمكن أن يهدم مشروع سنين وأي توقف عن الدعم كما هو ملاحظ ينهي أحلام آلاف الباحثين في لحظات؟، فكم من موسوعات انقطع بها الطريق وانتهى بها الحال مكدسة في المطابع تنتظر من يقول لها انهضي وماتت ككثير من زملائها، أو ربما استمرت تلك المشاريع ووجد الباحث نفسه مرهونًا لفريق معين وتوجه محدد وهو أمام عدة حلول تؤدي جميعها إلى الصمت، ليكفر في نهاية المطاف بكل مشاريعهم، وليجد أن أحلامه قد اغتصبت وأن آماله تبددت وها هو عمره يمضي في فراغ، ومعلوم أن «وجود الفراغ يعني وجود مساحة جاهزة يملؤها من شاء بما شاء».

2-عامل خارجي: ويتمثل في «البعثات الأجنبية» وهو تمثل الركيزة الثانية في سوء استغلال الموارد البشرية حيث لم يستطع المثقف العربي أن يبني لنفسه مشروعًا في وطنه العربي، اللهم إلا وظيفة يضيع بها ما تبقى من عمره وتضيع معها كل جهوده، فذهب ليجد نفسه هناك، في بلاد غربية، حيث تطلب تلك البلاد ما يسمى بالمعونات الثقافية حيث توصي تلك البعثات بإفراز النخب ليخرجوا ويبدعوا وينتجوا في أمة لا ينتمون لها، ليروا هناك المشاريع الجادة والإنماء والتعلم ومجمعات البحوث المختلفة والمتنوعة كما كان يشتهي في يوم من الأيام وها هو اليوم أمام مفترقات طرق.
فإما أن يبقى حيث هاجر لينتج ويبدع بها وينسى أحلامه نائمة في وطنه لتستيقظ هناك ولا يخفى ما سيعيشه من اغتراب للذات الثقافية والخوف من فقدان هوية انتمى لها يوما، وإما أن يعود وهو يحمل لوطنه شهادة فقابلته بالنكران كما فعلت به بالأمس فلم يزدد بوطنه سوى كفرًا ليفقد ما تبقى لديه من إيمان في أيام سالفة.

هذه ليست دعوة لليأس أو القنوط والإحباط والتذمر كغيرها من الدعوات، بل هي دعوة لأصحاب العمل والمال والمناصب ورسالة للمؤسسات العلمية والتعليمية، إن الأدمغة تهاجر والجهود تضيع وأنتم المسؤولون أَولا وآخرا فإما أن تحتضنوا جهود أبنائكم أو أن غيابكم يعني وجود غيركم ليملؤا بما أرادوا، وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اجتماع, ثقافة, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد