كتب د. غازي حمد أحد قيادات حماس مقالًا وضّح فيه وجهة نظره الشخصية في المصالحة مُختارًا لهذا المقال عنوان: «المصالحة» الطريق ذات الشوكة، وقد تسرب إلى المقال العديد من الأمور التي وجب الردُّ عليها أو حتى وضع علامات الاستفهام تاركين أصحاب العقول وضع الاجابات لها وفق ما يقتضي الواقع والعقل والمنطق.

د. غازي حمد والذي أكنُّ له كل الاحترام وأختلفُ معه في مواقفه حول المصالحة، وأنا هُنا لا أرغب في أن أُفصل كل فقرةٍ في المقال لأردَّ عليها، ولكن يا سيدي العزيز؛ ألم تلاحظ في كلمات مقالك هجومًا لاذعًا على مَن اختلف مع حضرتكم في الرأي ورأى أن المصالحة متوقفة أصلاً ولا تسير ببطء فاتهمتهم بـ«المتشككين والكارهين وأعداء المصالحة الأخفياء، والفهم مريض والعقلية جاهلة»، وهل يكون الحريص على المصالحة عنيفًا لهذا الحد؟

أيًا يكن، لقد تنازلت حماس من أجل شعبها الفلسطيني، وسلّمت الحكم رغم أن الشرعية لها، وحلّت اللجنة الإدارية، ورضيت أن تضع كل الأمور على طاولة البحث والنقاش «عدا سلاح المقاومة»، وقد ذُهِل الجميع من جرأة حماس هاته والتي دفعت المصريين والذين كانوا يرون حماسًا في خانة العدو أن يشيدوا بها وبحرصها على المصالحة، ودعنا نتفق ونفترض أنَّ هذا أمر جيد، وأن حماسًا لم تغامر لتضع الفخ لحركة فتح إنما حرصًا منها على المصلحة العليا.. ولكن ماذا في المقابل؟

تقول يا د. غازي حمد «لا تتسرعوا، لا تتعجلوا»، والشعب ليس متعجلًا أو متسرعًا، فنحن هُنا لا نطالب بحل أزمة الكهرباء خلال 24 ساعة، أو حتى فتح معبر رفح فورًا «وإن كان هذا ما قالوا أصلًا، أنسينا قول عزام الأحمد إن المعبر سيتم فتحه 24 ساعة بعد تخلي حماس عن الحكم، ثو قوله إن 15 من الشهر الجاري سيشهد فتحًا دائمًا للمعبر وحتى يوم كتابة المقال 21/11 لم يحدث سوى فتح المعبر ثلاثة أيام ليشهد حالة فساد غير مسبوقة من تعديل في كشوفات الأسماء، والتنسيقات عالية الأثمان ووو…إلخ».

فلننسَ ذلك قليلًا، ولكن هل من العجلة أن نطالب فخامة الرئيس محمود عباس أن يرفع العقوبات التي فرضها ظلمًا على قطاع غزة وشملت الفتحاوي والحمساوي والمواطن العادي الذي لا ذنب له في كل هذه «الطوشة»؟!، وهل من العجلة أن تتحسن ظروف الكهرباء قليلًا لتأتي أكثر من 4 ساعات في اليوم الواحد؟، وصدقًا أقول سيدي د. غازي حمد: «إن المدة التي يحتاجها عباس لرفع العقوبات، أو زيادة كمية الكهرباء، أو تحسين ظروف المعابر لا تستهلك أكثر من وقت التحضير لمهرجان إحياء ذكرى عرفات في ساحة السرايا!».

وأكرر مجددًا حتى لا يُفهم الكلام في غير إطاره، أنا أقول: «تحسين» ولا أقول «حل دائم سريع»، لأننا نعلم أن بعض الأمور الشائكة تحتاج وقتًا طويلًا لحلها «إن أرادوا حلها أصلًا».

وقد يتساءل البعض، إذن ما الذي يجري، ولماذا تُعقد الاجتماعات بحضور «فتح» طالما أنك تجزم أنها لا تريد الحل والمصالحة مع حركة حماس، وأما الإجابة وفق ما أتصور بناءً على الوقائع على الأرض فهي:

لكي نفهم مجرى طبيعة الصراع السياسي بين حركتي فتح وحماس علينا أن نعود إلى الوراء قليلًا محاولين الإجابة عن التساؤل التالي: «لماذا حاصرت إسرائيل ومصر والسلطة حركة حماس عندما فازت في الانتخابات؟، ولماذا رفضت فتح التسليم بنتائج الانتخابات القاضية بفوز ساحق لحركة حماس؟، ولماذا دعاة الديمقراطية في العالم أمريكا والغرب الصليبي رفضوا هذا الأمر رغم أن هيئة أوروبية أشرفت على الانتخابات منعًا للتزوير وشاهدوا أن الشعب اختار طواعيةً حركة حماس بنسبة فاقت النصف بـ10% وهو ما لم يكن يتخيله أحد؟».

العقل والمنطق يحكم أن ما جرى كله لسبب واحد: أن حركة حماس حركة إسلامية ذات فكر إخواني ترفض الاعتراف بشروط الرباعية الدولية القاضية بالاعتراف بإسرائيل، وتحمل السلاح وترى فيه حلًا للقضية الفلسطينية أي بمعنى آخر «المقاومة» أو «الإرهاب» كما يزعم أعداء الأمة.

إذن وفق هذا المعطى الذي لا يختلف عليه أحد، نرى أن سبب العداء لحماس مشروعها المقاوم، واليوم ونحنُ على أعتاب الذكرى الـ30 لانطلاقة حركة حماس، هل تخلت حماس عن مشروعها؟ بالطبع لا، إنما تزداد قوة عسكرية وبأسًا يومًا بعد يوم بفعل علاقتها الجيدة مع الدول الداعمة للمقاومة في المنطقة.

بعد عشر سنين عجاف من الحصار، أرادوا لحماس أن تتنازل عن الحكم فتنازلت عن الحكم من أجل إعطاء الفرصة لأي حل يُنقذ الشعب التائه في قطاع غزة، والآن بعد أن تنازلت حماس عن الحكم بدأ الطنين والرنين على مسألة «السلاح الواحد» بمعنى آخر أشد صراحةً «نزع سلاح المقاومة»، ونجد هذا الكلام تلميحًا وتصريحًا في تصريحات معظم قيادات فتح والسلطة.

فهل يُعقل أن تأتي السلطة لتحكم غزة وفيها جيش عسكري كبير لحماس يبني ويستعد فوق الأرض وتحتها؟ على الأقل هكذا هم يقولون وليس اتهامًا مني، تلتها تصريحات أمريكية حول ذات الشأن، وتصريحات إسرائيلية، ثم تصريحات سعودية تدعو لذلك وتزيد: «يجب قطع العلاقة مع قطر وإيران».

وهنا أقول لك سيدي د. غازي حمد: «السلطة لن تغامر وتخسر علاقتها مع الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل من أجل أن تُصالح حماسًا التي تُعد لإزالة إسرائيل عن الخارطة، هذا لن يكون أبدًا، وإن أردتم مصالحة فعلية حقيقية فاتركوا السلاح واركنوا إلى الذين ظلموا أنفسهم وشعبهم، وأحسبكم لا تفعلون ذلك».

الأيام القادمة ستكشف أنهم جادون فعلًا في المصالحة «إن أردتم نزع سلاحكم» وما دون ذلك وهم نبيعه للناس، ولكن حسبنا أن الله يعلم ويسمع ويرى و«كتب الله لأغلبنَّ أن ورسلي»، والله غالب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد