يبيّن لنا القرآن الكريم في عديد المواضع عنجهية فرعون وتعنّته وإعراضه عن المنهج الصحيح في ممارسته للسلطة؛ فهو الذي طغى وتجبّر، وهو الذي آذى الضعفاء واستحيا النساء، وهو من حرّم الحقوق والحريات السياسية والمدنية لأبناء شعبه، حتى إنه سنّ قانون جائر يقضي بقتل الولدان، وهو من وصلت عنجهيته إلى قوله «أنا ربكم الأعلى» فاتخذ من نفسه إلهًا سياسيًّا يعبد في الأرض، فيعبد من خلاله إله السماء. ففرعون هو أعلى الهرم السياسي، ويحمل صفة الطغيان، وهو ما يطلق عليه ظاهرة الحكم الإله.

كل ديكتاتور أو حاكم طاغٍ لا بد له من أعوان، يخدمونه ويشرعون فساده السياسي، حتى إنهم يحرّمون ما حرّمه الحاكم ويحلون ما أحلّه فتختلط بذلك المعايير، وتذوب القيم العليا في دنس الطغيان العقائدي. تلك هي وظيفة رجال الدين في زمن الطغيان؛ وهي وظيفة هامان زمن طغيان فرعون. وبذلك فإن السلطة السياسية لا يمكنها أن تنشر أفكارها ومعتقداتها إلا بالاستعانة بالسلطة الدينية.

في توحيد السلطة السياسية بالسلطة الدينية، تخلق بذلك عدة ظواهر في المجتمع تعزز بذلك الطغيان الفرعوني، أعني هنا الظاهرة القارونية بما هي ظاهرة الطغيان الاقتصادي المساهمة في تدعم الطغيان السياسي ماليًّا؛ فتتدعم حماية السلطة، وأما في علاقة الظاهرة القارونية بعامة الشعب، فهي مما لا شك فيه تعمل على امتصاص ثروات الشعب وقدراتهم بما تحقق أرباحًا خيالية، تؤدي بالضرورة إلى تحقيق ثروة طائلة.

أما عامة الشعب أو «المستضعفون في الأرض» بعبارة القرآن، فهم يأتمرون بأمر السلطة السياسية تحت طائلة القتل، كما يأتمرون بأمر السلطة الدينية تحت طائلة التكفير والمروق. ويأتمرون بأمر الظاهرة القارونية تحت طائلة قطع الرزق والبطالة. أي أنهم لا يملكون الحقوق والحريات المدنية والسياسية المعروفة في عصرنا الحالي. وبذلك فإن التعبير القرآني قد شمل كل الأوصاف المناسبة لوصف حالة الشعب زمن البطش الديكتاتوري.(1)

لو تدبّرنا في المصطلحات القرآنية حين تحدث عن فرعون وهامان وقارون، لوجدنا أنه قد أطلق أوصافًا لا أسماء. فاسم فرعون الحقيقي حسب المؤرخين هو رمسيس الثاني، واسم هامان هو تحتمس، أما اسم قارون فهو أمنحوتب؛ فالقرآن الكريم قد أسند أوصافـًا سياسية لممارسي الطغيان في جميع العصور منذ زمن موسى إلى نهاية الزمن والتاريخ.

أما موسى، الذي يمثّل الشاب الطموح الثوري الراغب في تغيير الوضع السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، بما يمكّن عامة الشعب من حقوقهم الفكرية، والمدنية، والسياسية، والعدالة الاجتماعية بين الفئات والطبقات المختلفة في المجتمع. إن الثوري لا بد له أن يكون متفاعلًا إيجابًا مع محيطه فيتحدث بلغتهم ويشارك أفكارهم. ولعل قوة الثوري في كل هذه الخصائص التي تجعله فردًا مخلصًا لشعبه، محبًا لوطنه، شاعرًا بالمسؤولية الملقاة على عاتقه للتغيير. كما يجب أن يحيط به أصدقاء يؤمنون به وبفكرته حتى يتمكنوا من الظفر بالهدف المحدد، وهو مثال أخ موسى، نبي الله هارون -عليه السلام-.

لعل من بين الخصائص التي تجب أن تكون في الثوري اللين والرفق؛ حتى يتمكن من إقناع الديكتاتور بطريقة سلمية. كما أن ثقافته الواسعة تمكنه من المحاجّة الفكرية، وهي من بين نقاط القوة التي تجعل من الثوري يتمكن من الإطاحة بالسلطة السياسية بالسلمية المنشودة في كل حركة إصلاحية. أما في صورة تعنّت الطاغية فإن نهايته تكون مأساوية كنهاية فرعون المعلومة للجميع.

يقال إن «لكل فرعون، موسى»، ولكل طاغية ثوري؛ فقد ثار موسى على فرعون زمن طغيانه وتجبّره وعلى آثاره اقتدى به جميع الثوار في كل أرجاء العالم، وفي كل الأزمنة التاريخية. فمنذ موسى -عليه السلام- مرورًا بثورة الرسول الأكرم على الطغيان العقائدي القريشي وصولًا إلى ثورات التحرر من الأنظمة المستبدّة، والمبدأ الكوني في الطغيان بصفة عامة، والطغيان السياسي بصفة خاصة يحظى بالسردية التاريخية نفسها؛ إشباع النفس بهوى السلطة يعقبها بطش وتؤطرها القوة حتى يخلق الطغيان السلطوي، هذه العوامل تنشئ ظروفًا سياسية وأوضاعًا اقتصادية متأزمة حتى ينفجر الثائر مطالبًا بالعيش الكريم.

إن الأمة الإسلامية، بعد تشرذمها وتفتتها إلى محميات لا وطنية، استولى عليها طغاة اعتبروا أن الدولة ملكهم الخاص، وأنهم مخلّدون في الأرض فعاثوا فيها فسادًا فسجنوا المعارضين وأعدموا المطالبين وعذّبوا المحتجين، استولوا على أموال الشعوب ونهبوا ثرواته وسرقوا أموالهم، كل ذلك جعل الشعب يخرج عن صمته ويطالب بالتحرر من سلطوية الديكتاتور. ذلك أنه لا بد من اندلاع الثورة في شعب ظلم طيلة سنوات وصفت بالعجاف.

لعلّ مقصد الثورات التي قامت في البلدان العربية منذ سنة 2011 والتي امتدت إلى اليوم هي من بين أهم النتائج التي خلّفها الاستبداد، بدأها الشعب التونسي ثم انتقلت إلى مصر، فالليبي، ثم اليمني والسوري. فلا يخفى على أحد ديكتاتورية بن علي، أو حكم القذافي الاستبدادي، أو حتى إجرام النظام السوري، وطغيان صالح اليمني وإفساده. ومما لا شك فيه أن نهاية كل طاغوت تكون مذلة كنهاية رمسيس الثاني على يد موسى النبي، وهي نهاية فراعين القرن الواحد والعشرين على أيدي شعوبهم.

إن معنى البيت «إذا الشعب يومًا أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر» الذي ألفه الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي هو مقصد الآية الكريمة «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم»؛ فالذي يريد أن يحيا الحياة الكريمة لا بد أن يعمل على تغيير نفسه حتى يغيّر محيطه. وهو قانون طبيعي من القوانين التي تفرض على الأمم. ولعل القدر ينصف الأمة التي تتمسّك بأصلها وتنفتح على عالمها وعصرها حتى تتمكن من التحديث والتطوير الخالق للثروة الاقتصادية والنهضة الفكرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الدين والسلطة لمحمد شحرور ص488
عرض التعليقات
تحميل المزيد