في الخامس من شهر مارس (آذار) الحالي، توجهت الأنظار إلى العاصمة موسكو، بعد أن توجه وفد تركي رفيع المستوى برئاسة أردوغان إلى روسيا لملاقاة نظيره الروسي في قمة أقل ما يقال عنها إنها تاريخية بخصوص إدلب.

القمة التي استمرت بين الفريقين لأكثر من ست ساعات، لم يتوقع أشد المتشائمين من المعارضين السوريين أنها ستخرج بهكذا اتفاق مبهم وغامض، خاصة بعد أن أطلقت تركيا عملية درع الربيع ردًّا على مقتل 33 جنديًّا تركيًّا، بعد قصف طيران حربي يعتقد أنه تابع للنظام السوري، حيث تجاهل الاتفاق العديد من الأمور التي كانت تطالب بها تركيا، لاسيما انسحاب قوات النظام السوري إلى حدود اتفاق سوتشي 2018.

على ماذا نص الاتفاق؟

مضت الساعات الست سريعة على الفريقين المتفاوضين، ثقيلة وطويلة على السوريين في الداخل والشمال المحرر، ليخرج المتفاوضون ببيان قصير جدًّا لم يتجاوز الربع ساعة، ليخرج الوفدان لقراءة نص البيان الذي غابت عنه النسخة العربية بشكل نهائي، و تضمن الاتفاق ثلاث نقاط فقط، هي:

وقف إطلاق النار في مناطق التماس بإدلب، وإنشاء ممر آمن على طول الطريق الدولي «إم 4» عرضه ستة كيلومترات شمالًا، وستة كيلومترات أخرى جنوبًا خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام، يجري فيها تنسيق المعايير الدقيقة لهذا الممر، وانطلاق دوريات عسكرية مشتركة على الطريق ذاته اعتبارًا من 15 مارس الحالي، تبدأ من بلدة «ترنبة» غرب مدينة سراقب إلى بلدة عين الحور أقصى ريف إدلب الغربي.

وأكد الاتفاق على حماية المدنيين، وعودتهم إلى مدنهم وقراهم، ومواصلة محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية المدرجة على قوائم الأمم المتحدة، وشدد البيان على حق تركيا بالرد على أي استهداف لجنودها ونقاط مراقبتها من قبل النظام السوري، وأيضًا اتفقوا على وحدة الأراضي السورية، وأن يكون الحل للأزمة السورية سياسيًّا بإشراف الأمم المتحدة، وليس عسكريًّا.

من الملاحظ أن اتفاق موسكو لم يأت بشيء جديد، وأنه اتفاق وبنود مماثلة لبنود سوتشي مع تعديل بسيط، وتجاهل الاتفاق كل ما كانت تطالب به تركيا قبل وأثناء بدء عملية درع الربيع، كما تجاهل الاتفاق مصير المناطق الخارجة عن سيطرة النظام جنوب الطريق الدولية M4، كما لم يأت على أي ذكر لمصير الطريق الدولي M5.

بينما ذهب محللون ومراقبون إلى أن الاتفاقية ربما تخفي في مضامينها اتفاقًا لن يظهر للعلن في البيان، وأنه ربما سيظهر في الأيام الأولى لتطبيق الاتفاق، وأن ما خفي يتعلق ربما بمنطقة شرق الفرات، أو في ليبيا الساحة العربية الثانية للصراع الروسي التركي، والأيام كفيلة بإثبات وجهة النظر هذه.

أمريكا ترفض الاتفاق والأمم المتحدة ترحب

بعد يوم واحد من توقيع اتفاق موسكو، سارعت الأخيرة لصبغ اتفاقها بصبغة دولية وأممية من خلال مجلس الأمن، لكن مسعاها اصطدم بفيتو أمريكي، وعللت أمريكا رفضها للقرار بأنه مبهم وغامض، ولم يقض بانسحاب قوات النظام إلى حدود سوتشي 2018.

وفي توجه مماثل لموقف الولايات المتحدة، انتقدت الرئاسة الفرنسية الاتفاقية، معتبرة أنها هشة، خاصة بما يتعلق في بند وقف إطلاق النار، الذي اعتبرته لم يترسخ بعد، ورأت أن الاتفاقية تتضمن نقاطًا غامضة، من بينها الانسحاب من الطريقين الدوليين M5 . M4، والحديث عن دعم سياسي وإنساني ترتيباته غير واضحة. واعتبرت أيضًا أن سياسة روسيا واضحة، وتتمثل في سيطرة النظام السوري على كامل أراضي البلاد، وأوضحت أنه على تركيا الاختيار ما بين الشراكة مع روسيا، أو طلب الدعم من أوروبا، وأضاف البيان الفرنسي أنه بالرغم مما يملكه الروس والأتراك والإيرانيون من نقاط قوة على الأرض السورية، فإنه لن يكون بإمكانهم تحقيق الاستقرار في البلاد.

من جانبه رحب وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش بالاتفاقية، ودعا للعودة إلى العمليّة السياسيّة لإنهاء «الحرب» في سوريا.

هل سيصمد الاتفاق؟

يرى محللون أن المهمة الأصعب في الاتفاق تكمن في تطبيقه، خاصة في ما يتعلق بتسيير الدوريات المشتركة على الطريق الدولي M4، وكيفية تسييرها، وفي مدى استطاعة كل طرف ضمان ضبط كل من النظام والمعارضة في عدم خرق الاتفاق.

وإن كانت فصائل المعارضة ملتزمة حتى الساعة بالاتفاق، فإن بعض الفصائل أعلنت مواصلة القتال ضد النظام من بينها فصيل أحرار الشام التابع للجبهة الوطنية للتحرير، بمواصلة قتال النظام وعدم تسليم أي شبر من المناطق المحررة للنظام، في إشارة للمناطق التي ستدخلها الدوريات الروسية التركية.

أما من جهة روسيا، فمنذ اللحظات الأولى لتوقيع الاتفاق، لم تهدأ قذائف المدفعية التابعة للنظام وميليشياته من خرق الاتفاق بين الحين والآخر.

إضافة لحشود كبيرة من قبل الميليشيات التابعة لإيران وقوات الرضوان التابعة لحزب الله اللبناني، على عدة محاور في ريفي حلب وإدلب، الأمر الذي ينذر بأن الاتفاق قد ينهار في أي لحظة، وربما قبيل تطبيقه أيضًا.

جاويش أوغلو يوضح مصير M4، وأردوغان يتوعد بالرد في حال استهداف نقاطه. 

قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، لوكالة الأناضول في العاشر من مارس الجاري، إن روسيا حذرت «بصرامة» قوات النظام من أي خرق للهدنة، محذرة إياها من رد تركي على تلك الخروقات.

وأضاف أن الطريق الدولي M4 سيخصع للمراقبة الروسية من الجنوب، وللمراقبة التركية من الشمال، وأن بلاده تواصل العمل مع روسيا من أجل وقف دائم لإطلاق النار.

من جهته أعلن أردوغان أن وقف إطلاق النار يمشي بشكل جيد حتى اللحظة، على الرغم من خرق النظام للاتفاق في أول أيامه، وأنه ينتظر مدى التزام النظام وداعميه بوقف إطلاف النار، مؤكدًا أن بلاده لن تكتفي بالرد فقط على أي هجوم لقوات النظام على النقاط التركية، بل إن الرد سيكون بقوة أكبر، منوهًا أنه يراقب عن كثب كل الحشود للميليشيات الطائفية لقوات النظام على خط وقف إطلاق النار.

وأشار الرئيس التركي إلى أن الاتفاق الأخير مع موسكو لم يأت من ناحية ضعف لتركيا، بل رغبة منها في التوصل لحل سياسي يحمي الأمن القومي التركي في إدلب، ويوقف نزيف الدماء السوري، ويسمح بعودة مليون نازح إلى منازلهم.

كما أعلنت الوفود التركية الروسية المجتمعة مؤخرًا في أنقرة أنها وضعت اللمسات الأخيرة على اتفاق تسيير الدوريات المشتركة على الطريق الدوليM4.

بدء الدوريات المشتركة في 15 مارس

في الخامس عشر من مارس الحالي أعلن الجانبان التركي والروسي تسيير أولى الدوريات التي تحركت من جهة مدينة سراقب على الطريق «M4»، وكان من المقرر أن تصل إلى بلدة عين الحور بريف اللاذقية، إلا أن تجمع مئات المدنيين المعتصمين الرافضين لدخول القوات الروسية للمناطق المحررة في بلدة النيرب، وإشعال الإطارات، حال دون إكمال طريق الدورية.

واتهمت وزارة  الدفاع الروسية من وصفتهم بـ«الإرهابيين» بتنفيذ استفزازاتهم واستخدام السكان المدنيين دروعًا بشرية، بما في ذلك النساء والأطفال، وقالت: «تم منح وقت إضافي للجانب التركي لاتخاذ إجراءات خاصة بتحييد التنظيمات الإرهابية، وضمان أمن الدوريات المشتركة على الطريق M4».

في حين أعلنت وزارة الدفاع التركية، تسيير أول دورية برية مشتركة مع القوات الروسية على الطريق الدولي «حلب- اللاذقية» M4 في منطقة إدلب شمال غرب سوريا، لافتة إلى أن قوات برية من كلا الطرفين «روسيا وتركيا» شاركت في الدورية المشتركة ورافقتها طائرات.

آخر التطورات على الطريق الدولي

تستمر الاعتصامات على الطريق الدوليM4 حتى الساعة، لكن التطور الأبرز كان عندما قامت مجموعة من تنظيم «حراس الدين» التابع لتنظيم القاعدة باستهداف دورية تركية بعبوات ناسفة في 19 من شهر مارس الجاري؛ ما أدى لمقتل جنديين تركيين وجرح آخر، بحسب وزارة الدفاع التركية، بينما قامت هيئة تحرير الشام بحفر الطريق وقطعه بسواتر ترابية، تطور خطير ربما سيؤثر كثيرًا في مجريات الأحداث، خاصة من قبل تركيا.

وفي النهاية يصعب التكهن في مدى صمود الاتفاق الأخير، فكل المؤشرات تدل على أن الاتفاق قابل للموت في أي لحظة كانت، فالنظام ما يزال يخرقه، ويواصل حشد قواته، إضافة إلى أن تصريحات وزارة الدفاع الروسية عقب تسيير أول دورية مشتركة تحمل في طياتها عدم الرضا عن الاتفاق، تصريحات شُبهت بتصريحاتها وحججها باقتحام ريف حماة الشمالي العام الماضي، عندما طالبت الجانب التركي بتسيير دوريات مشتركة أيضًا في المنطقة، الأمر الذي قوبل بالرفض من قبل الفصائل المسلحة، فكانت حجة لروسيا لاقتحام المنطقة.

على ما يبدو أن رحى المعارك قد تعود للدوران مجددًا في إدلب في أي لحظة بين قوات النظام وقوى المعارضة المدعومة تركيًّا، في ظل استمرار الحشد بين الطرفين، إلا أن كل الأمور التي تنبئ بمواجهة تركية روسية غير واردة الآن، في ظل المصالح المشتركة بين الطرفين من جهة، وفي ظل الموقف الأمريكي والغربي المشجع لتركيا و الراغب بفض الشراكة التركية الروسية،  لكن تركيا لم تقنعها كل تلك التصريحات، وهي بانتظار الأفعال خاصة من الجانب الأمريكي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد