المتأمل لقصة موسى عليه السلام – والتي تعد أكثر قصص القرآن الكريم ذكرًا حيث ذكرة قرابه 136 مرة – يرى قصة نبي صابر محتسب، ابتلي بابتلاءات كثيرة وشديدة، ليس فقط من قوم فرعون، بل من قومه الذين أسلموا معه، حيث آذوه في كل مرحلة من مراحل بعثته، رغم تودده إليهم واستعطافهم وتذكيرهم إياهم بما يعلمون من كونه رسول من الله وبما شاهدوا من الآيات والمعجزات. 

وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم

وشهد له رسول الله بذلك في قصة الأعرابي الذي اتهم رسول الله بعد العدل فقال صلى الله عليه وسلم:

رحم الله موسى قد أوذِي بأكثر من هذا فصبر

في هذا المقال لن أخوض في الابتلاءات التي سبقت بعثته؛ من غربته عن قومه وهجرته إلى قوم مدين وعمله هناك سنوات عديدة، ولن أتطرق أيضًا الى معاناته مع قوم فرعون وتكذيبهم إياه رغم المعجزات العديدة التي بلغت تسع معجزات؛ حيث قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا، بل سأكتفي باستعراض بعضًا من وجوه صبر موسى عليه السلام على قومه وعلى الابتلاءات الأخرى:

1- بعد أن نجى الله بني اسرائيل من فرعون حيث اقتضت حكمته أن تكون نجاتهم من فرعون بمعجزة؛ فلم تكن نجاتهم مجرد هروب اعتيادي، بل جعل لهم طريقًا في البحر يابسًا وأغرق فرعون وجنوده أمام ناظريهم، وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ، مرّوا على قوم وثنيين فطلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم أصنامًا آلهة: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ.

2- عبادتهم العجل حينما ذهب موسى لميقات ربه لتلقي التوراة قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ.

3- بل حينما رجع موسى عليه السلام وعاتبهم، وقرروا أن يتوبوا تم اختيار 70 رجلًا من علمائهم وصفوتهم لميقات الله، ورفع فوقهم جبل الطور لكي يكون عليهم حجة إضافية، لكن حتى في هذا الموقف العظيم آذوه فقالوا سمعنا بأفواههم، لكنهم عصوه بأفعالهم؛ حيث مازال حب عبادة العجل في قلوبهم، وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

4- وطلبوا منه أن يروا الله علانية حتى يقوموا بتنفيذ شرائع التوراة حيث قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذهم الله بصاعقة، ثم أحياهم بعد ما ماتوا بالصاعقة لتكون لهم آية إضافية، لكن هذه المعجزة ليست كبقية المعجزات المادية السابقة التي كانوا يستشعروها ببعض حواسهم؛ حيث إن هذه المعجزة شملت جميع حواسهم.

5- واتهموه عليه السلام ولمزوه بالعيوب الجسدية، حيث كان عليه السلام شديد التستر والاحتشام في ملابسه رغم كمال بنيته الجسدية في حين أنه كانت من عادة بني إسرائيل الاغتسال أمام بعضهم عراة، فقالوا: ما منع موسى التكشف أمامنا إلا أنه مصاب بمرض معدٍ أو أن في رجولته خلل، فقدر الله أن يروه وهو يغتسل – حيث إنهم وكعادتهم لا يؤمنون إلا بما ترى أعينهم وتستشعر حواسهم – فأدركوا أن لا عيب في جسده عليه السلام، حيث قال تعالى محذرًا المؤمنين من هذه الأمة من التشبه ببني إسرائيل.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا.

6- وكان عليه السلام يأمل أن يدخل أرض فلسطين، لكن قومه عصوه ولم يطيعوا أمر الله في دخول أرض فلسطين التي كتب الله لهم أن يدخلوها، أي فرض عليهم أن يدخلوها، بل كان جوابهم: قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، فعاقبهم  الله عز وجل بالتيه قَالَ تعالى: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ.

7- وفي التيه، رزقهم الله بيانبيع الماء شرابًا لهم، والغمام يظلهم، والمن والسلوى طعامًا لهم لكنهم ضجروا منه؛ فطلبوا العدس والبصل وغيرهما من الأكل الدنيّ؛ فقال لهم موسى عليه السلام: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر ولا ضرورة فيه، لم يجابوا إليه، والله أعلم.

8- وفي التيه أيضًا توفي أخوه هارون عليه السلام، حيث ذكرت بعض الروايات أنه بلغ إيذاء بني إسرائيل له أن اتهموا موسى بقتل أخيه هارون عليهما السلام.

9- وتوفي موسى عليه السلام في التيه؛ حيث جاءه ملك الموت على غير صورة الملائكة ليقبض روحه فضربه موسى فلما علم موسى أن هذا ملك الموت استسلم لقضاء الله، لكن الله خيّره بين أن يمدّ في عمره سنين عديدة وبين أن يقبض روحه فاختار عليه السلام أن تُقبَض روحه، لكنه طلب أن يقترب من الأرض المقدسة، ولو قليلًا حيث قال:

رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر.

 

هذه بعض وجوه صبر هذا الرسول العظيم على قومه الذين يفترض أن يكونوا عونًا له، لكنهم لم يكونوا أقل من فرعون وقومه في جحودهم وإيذائهم لموسى وهارون عليهما السلام.

ختامًا، عند الحديث عن صبر موسى عليه السلام يخرج البعض بذكر قصة موسى عليه السلام والخضر كدليل لعدم تحلي موسى عليه السلام بالصبر، وفي هذا مغالطة كبيرة، إذ إنه عليه السلام أنكر على الخضر خرق السفينة وقتل الغلام وغيرها من الأمور التي في ظاهرها منكر يجب إنكاره، فهو لم يطق السكوت عن كلمة الحق، فليس في قصته عليه السلام مع الخضر أي دليل على عدم صبره على الإيذاء أو عدم صبره على دعوة قومه، بل فيها تأكيد لشخصيته عليه السلام؛ شخصية النبي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد