أثناء حكمهم الذي لم يتجاوز العام الواحد، لجأ معارضو جماعة الإخوان المسلمين إلى اتهامهم بالفشل، وطالبوهم بالاعتراف بالخطأ وإجراء المراجعات، والاعتذار، ثم الاختفاء من المشهد السياسي تمامًا.

فهل فشل الإخوان حقًّا؟

لنصدر حكمًا، نحتاج أن نراجع تفاعل جماعة الإخوان مع أهم نقاط الثورة:

لم يركب الإخوان الثورة، فهم مشاركون في الحياة السياسية منذ بداية تأسيس الجماعة في 1928، وعوقب أفرادهم بالقتل والاعتقال أكثر من غيرهم، كانوا أعضاء بارزين في حركة كفاية التي رفضت التوريث، وشاركوا في ميدان ثورة يناير، وفي التجربة الديمقراطية.

أثناء المفاوضات الثورية، رفضت الجماعة نداءات الجيش لحوارات مغلقة مما اضطره لتهديدهم على لسان لواء أركان حرب عمر سليمان في برنامج تليفزيوني مطالبا إياهم بالتلبية، فكانوا يصرون على وجود شهود حتى لا تثار حولهم شبهات التآمر والخيانة.

مزج الإخوان بين الأداء الثوري والإصلاحي؛ فالثورة في الميدان للضغط، والإصلاح التدريجي في المجال السياسي. دعم الإخوان تعديل دستور 1971 في استفتاء مارس، تجنبا لحدوث فراغ دستوري يخلف فوضى تحتم إصدار القوات المسلحة إعلانات دستورية مجحفة كما حدث بعد انقلاب 2013.

أفلتت الجماعة من فخ جرها لمواجهات دامية في وقفة محمد محمود، وغامرت بشعبيتها حين دفعت نحو استكمال انتخابات مجلس الشعب برغم إعلان القوى المدنية إيقاف حملاتها؛ لكنها لم تفلت من اتهامهم لها بالخيانة، برغم إدانتها للأحداث، وسماحها بنزول أفرادها دون إعلان للمساندة.

رفض حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي للجماعة مع العديد من الأحزاب الليبرالية والإسلامية وثيقة فوق دستورية مدعومة عسكريًّا، تضع موادا تلزم واضعي الدستور بأطر محددة يعملون داخلها.

نجح حزب الحرية والعدالة بالمشاركة مع حزب الوفد في تشكيل التحالف الديمقراطي من أجل مصر، والذي ضم 11 حزبًا سياسيًا مصريًا من مختلف التيارات، ودعم التوافق الوطني عن طريق التنسيق السياسي والانتخابي بين الأحزاب للوصول لبرلمان قوي خال من فلول النظام السابق.

حصد الحزب نحو 47% من مقاعد البرلمان نظرًا لقاعدته الشعبية العريضة. شكل البرلمان المصري لجنته الأولى لوضع الدستور فاز بها 25 إخوانيًّا من لجنة المائة التي تم حلها بدعوى استحواذ الإسلاميين، ثم في اللجنة الثانية تنازلوا ليصلوا إلى توافق مرض دون إخلال بنسبة تمثيلهم البرلماني.

استمرت الجماعة في التظاهر، ونادت مع الثوار بضرورة تسليم الجيش السلطة للمدنيين، وبالفعل، اضطر العسكر للتسليم ودعوا لانتخابات رئاسية.

عرضت الجماعة مسألة الترشح للرئاسة على شخصيات مستقلة لكن عروضهم قوبلت بالرفض، في نفس الوقت الذي قدم فيه كل من نظام مبارك، والمجلس العسكري، والقوى المدنية مرشحيهم، فتراجعت عن قرار عدم تقديم مرشح منها.

نجح مرشح حزب الحرية والعدالة للرئاسة بنسبة 51.73% ؛حضر مناقشات مع القوى الوطنية أفضت لاتفاق فيرمونت الذي التزم ببنوده بينما تراجعت هي عنه.

اختار الرئيس خمسة من جماعته من بين 35 وزيرا في أول تشكيل لحكومته، الذي تأخر الإعلان عنه بسبب خلافاته مع الجيش على بعض الحقائب منها حقيبة وزارة الدفاع؛ اختار رئيس وزراء مستقل، ثم زاد عدد الإخوان ليصبح مجموعهم 10 وزراء، بعد رفض متكرر من القوى المدنية لتولي مناصب.

طعنت القوى المدنية في دستورية مجلس الشعب قضائيًّا، وأعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن حله، وأصدر بيانًا شديد اللهجة للرئيس ينذر بانقلاب وشيك حين أصدر الأخير قرارا باستئناف عقد جلسات البرلمان. تجنبا للانقسام الشعبي، ولمواجهة معلومة العواقب مع الجيش، أعلن الرئيس تنفيذه للحكم؛ لكنه صدق على قانون أصدره البرلمان قبل حله يحدد معايير تشكيل الجمعية التأسيسية.

قام الرئيس بإلغاء إعلان دستوري أصدره الجيش قبيل تسلمه السلطة، يجعل منه مجرد رئيس شرفي، كما قام بتغييرات كبيرة في قيادات الجيش والشرطة عبر تفاهمات.

قدمت القوى السياسية طعونًا لحل مجلس الشورى، وحل الجمعية التأسيسية للدستور، فأصدر الرئيس إعلانًا دستوريا يحصن اللجنة الثانية للدستور ومجلس الشورى، واستطاع العبور بالدستور بنسبة تأييد حوالي 64%.

حاول الرئيس إقالة النائب العام الذي مثل فلول النظام القديم؛ وبالرغم من أن ذلك كان مطلب الثوار فإنهم هاجموه، فاضطر للتراجع.

بالرغم من أن خلافات عميقة مستمرة كانت تدور بين الرئيس ووزير دفاعه، فإنه ولآخر لحظة في حكمه حافظ على تماسك المؤسسة العسكرية. أجل الرئيس الانقلاب مرات عديدة، فحاور وناور حتى لا يصل مع العسكريين لنقطة المواجهة.

دعم الرئيس القضية الفلسطينية، وثورة سوريا واليمن وليبيا؛ وحاول توطيد أواصر العلاقات مع دول المنطقة، وطمأنة دول الخليج أنه لا ينتوى تصدير الثورة إليهم.

نجح الرئيس بشكل مبدئي في وقف عمليات العنف في سيناء عبر الحوار والتسوية واستبعاد العمليات العسكرية؛ كما اعتبر تنمية محور قناة السويس وإعمار سيناء عمود مشروع نهضته الفقري.

على المستوى الشخصي، تصرف كرئيس لدولة مصر؛ ولم يحصل هو أو أحد أفراد أسرته على أي امتياز؛ كما أنه لم يتواصل مع قيادات جماعته سوى مرتين في زيارة منزلية قصيرة له لبديع والشاطر أثناء مرضه.

ناقش الرئيس شروط قروض البنك الدولي التي كانت ستؤثر على الفقراء، قاتل لاستعادة أموال الدولة المنهوبة وأراضيها من حاشية النظام المخلوع؛ وضع خطة في نقاط لكل محافظة مصرية، باشر محاولات تطوير التعليم، والتموين، والصحة، والمالية، في حين عكفت المؤسسة العسكرية على عرقلته بافتعال أزمات البنزين والكهرباء والأمن، وبتوجيه الإعلام واستثمار المعارضة العلمانية للسخرية منه، والترويج لأكاذيب لقلب الرأي العام ضده.

قبل الانقلاب، أقام الرئيس جلسات حوار تجمع كل الفرقاء السياسيين، وأعلن عن موافقته على كل ما يجتمع عليه الحاضرون مسبقًا دون قيد أو شرط، ومع ذلك لم تحضر المعارضة.

بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب، نظمت جماعة الإخوان مظاهرات سلمية هادرة، واعتصامين حاشدين. بعد المجازر الشنيعة التي ارتكبها النظام، حاولت المخابرات جر مجموعات من شباب الإخوان للعنف، إلا أن قيادات الجماعة فطنت لذلك واتخذت اجراءات حاسمة، وسبب ذلك انقسامًا داخليًّا بين أعضاء الجماعة إلى اليوم، حيث اتهم شبابها المتحمس قياداتها بالجبن وخاصة بعد عمليات التصفية والاعتقال الواسعة التي تعرضوا لها. وهكذا حمى الإخوان مصر من حرب أهلية مؤكدة طلب من أجلها المنقلب تفويضًا من الشعب بالمواجهة في بداية توليه.

فهل هذا ما يسمى فشلًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد