نشاهد كل يوم ونقرأ عبر وسائل الإعلام المآسي تلو المآسي داخل الوطن العربي وخارجه، الجميع ينهش في جسد المسلمين وينكل بهم أشد التنكيل، وسط سمع وبصر المنظمات الحقوقية العالمية والمحلية، وشجب المنظمات الإسلامية والعربية، وفي النهاية المأساة واقعة لا محالة، فمن المستحيل أن يحاول هؤلاء أن ينجوا بأنفسهم مما هم فيه لضعف إمكاناتهم، وقلة عددهم وعدتهم، إلى المستحيلات المتمثلة في نصرتهم من بني جلدتهم وأبناء دينهم، فضلًا عن المخالفين لهم في العقيدة المتشدقين بصون حقوق الإنسان والرحمة بها.

مسلمو الروهينجا، أحد هؤلاء الذين يذوقون أشد البلاء وأقسى درجات التنكيل والتعذيب على يد مجرمي الحرب البورميين، هذه الجرائم التي شهد عليها العالم، وأكد أنها جرائم ضد الإنسانية وضد حقوق الإنسان، فهؤلاء المسلمون في تلك البقعة البعيدة من آسيا، مثلهم مثل كثير من المسلمين في بلاد عربية وغير عربية كسوريا والعراق ومن قبلهما كوسوفو وسراييفو والشيشان، يتعرضون للقهر يومًا تلو يوم، دون توقف أو هدنة، وإذا أطلقت الهدنة ستجد من ينتهكها بأي حجة كانت.

ربما تسليط الضوء على بعض المآسي التي تقع في جوارنا كحلب وفلسطين والموصل وغيرها قد يكون سببه كونهم في المنطقة العربية، وتتداخل دول عدة في مشكلاتهم كإيران وروسيا وأمريكا، لكن ما لا يعلمه البعض، أن أراكان عندما أصبحت دولة مستقلة بعد دخول الإسلام، حكمها 48 ملكًا مسلمًا على التوالي، لأكثر من ثلاثة قرون ونصف، في الفترة ما بين عامي «834 هـ – 1198هـ، 1430م – 1784م»، وهو ما يؤكد هوية تلك المناطق إسلاميًّا رغم محاولات انتزاع تلك الهوية التي تجري حاليًا على قدم وساق.

تاريخ من الاضطهاد

الحالة التي يمر بها مسلمو الروهينجا، ليست وليدة اليوم؛ بل هي تاريخ طويل من المآسي تمتد لأكثر من قرنين من الزمان، اضطهاد وقتل وتعذيب وتهجير على يد البوذيين المتطرفين المسمون بـ«الماغ» بدعم ومباركة من الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في بورما (ميانمار)، الذين أذاقوا المسلمين الويلات وأبادوا أبناءهم وهجروهم قسرًا من أرضهم وديارهم.

لكن الأكثر إيلامًا وجرحًا، وكما يقول الشاعر «وجرح أولي القربي أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهندِ» والكارثة أن دول الجوار التي تحسب على الدول الإسلامية كماليزيا وإندونيسيا رفضت استقبال المهجرين من الروهينجا بدعوى عدم القدرة على إيوائهم، أما بنغلاديش الجارة التاريخية لهم فقد عملت على التخلص منهم، للأسباب الواهية نفسها.

لذا أجمع الخبراء والحقوقيون أن «الأقلية» المضطهدة في ميانمار، هم «الأكثر» اضطهادًا في العالم، بحسب كافة تقارير المؤسسات الحقوقية والإنسانية في العالم، لأنهم إن نجوا من واقع التعذيب، فتارة يتم طرد عشرات الآلاف منهم إلى خارج البلاد ليغرق أكثرهم في البحار والمحيطات، وتارة يتم منعهم من مزاولة حقوقهم السياسية المشروعة.

لا أدري هل ذلك التغافل والإهمال وعدم تسليط الضوء على هؤلاء سببه أنهم ليسوا عربًا؟ أوليس كل المسلمين إخوة أو ليس ينطبق عليهم قول الله «إنما المؤمنون إخوة»، ويشملهم حديث النبي «المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وقول النبي «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

لكن تلك الآثار والأحاديث النوبية أثبت الواقع والإهمال، أن هناك من يأبى أن تشملهم تلك الآيات، ويحاول أن يخرجهم من تحت طائلتها ولا أعلم لماذا؟ وما يثير الضحك والسخرية أكثر، أن القائمة على دولة بورما أو ميانمار حاصلة على جائزة نوبل للسلام، وكل تلك الجرائم تقع تحت سمعها وبصرها، وفي النهاية الصمت هو من يخيم على قراراتها بشأن ما يفعله الجيش تجاه تلك الأقلية المسلمة المستضعفة.

ذلك الصمت الذي أطبق على أونغ سان سو تشي، أعقبه تصريحات للمتحدث باسم حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، الذي تتزعمه سو تشي، بأن هذه المزاعم بانتهاك حقوق الإنسان «مبالغ فيها» وهي قضية «داخلية»، وليست «دولية».

ورغم كافة الانتقادات التي جاء آخرها من قبل الأمم المتحدة، إذ قالت يانغي لي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ميانمار، إن الجيش والشرطة يرتكبان «جرائم ضد الإنسانية» بحق مسلمي الروهينجا في البلاد، لكن المجازر مستمرة والطرد قائم والتهجير على أشده، والانتهاكات قائمة، وكأن ما يحدث على أرض ميانمار يقع في كوكب آخر غير تلك الأرض التي نحيا عليها.

ففي أشهر قليلة فر أكثر من سبعين ألفًا من أقلية الروهينجا المسلمة من ميانمار إلى بنجلاديش منذ اندلاع العنف في شهر أكتوبر الماضي، أي منذ 5 أشهر تقريبًا، وتدعم روايات كثير من المهاجرين الأدلة الخاصة بالأقمار الصناعية التي التقطتها من داخل الأراضي والمناطق المسلمة التي تقع بها الانتهاكات.

الحق في الحياة

الروايات التي تنقل عن أصحابها يندى لها الجبين، ولو هناك حجر لتحرك من أجل إنقاذ هؤلاء، فهذه سينو آرا بيغوم «19 عامًا، مسلمة من الروهينجا» تقول: «كنت حاملًا عندما تعرضت للاغتصاب ووضعت طفلي بعد هروبي إلى بنجلاديش، وذلك بعد أن أخذوا زوجي بعيدًا ثم قادوني إلى غرفة واغتصبوني، دفعوني بالبنادق وكنت حينها حاملًا في الشهر الثامن لكنهم لم يتركوني».

ووفقًا لصحيفة «BenarNews» التي أجرت تحقيقًا استقصائيًّا التقت خلاله بالعديد من النساء الروهينجيات اللاتي فررن من ميانمار إلى مخيمات اللاجئين في بنغلاديش، إذ تبين أنه من بين كل ثلاث نساء أجرت معهم التحقيق، أن واحدة تعرضت للاغتصاب من قبل قوات الأمن في ميانمار.

وأفاد مراسل «BenarNews»، الذي قضى أربعة أيام في مخيمات الروهينجا في منطقة كوكس بازار جنوب شرق بنجلاديش، أن 17 من أصل 54 امرأة روهينجية قابلهن قلن له: «إنهن تعرضن للاغتصاب».

تقول نور جيهان «31 عامًا» من قرية نوربيل بمنغدو، وهي لاجئة تحدثت إلى BenarNews، وقالت: «إنها تعرضت للاغتصاب بعد ثلاثة أسابيع من اعتقال الجنود لزوجها من منزلهما، والذي ما يزال مفقودًا».

وأضافت: في 14 ديسمبر من العام الماضي، أمسك بي اثنان من الجنود داخل غرفتي أحدهما ربطني بإحكام والآخر اغتصبني ثم فقدت الوعي، ولا أعرف ما إذا تعرضت خلال ذلك للاغتصاب أم لا.

وأيضًا قالت سيتارا بيغوم «24 عامًا» لاجئة في مخيم كوتو بالونغ: «إن عناصر من قوات الأمن اختطفوها من قرية نيسابورو، في مدينة منغدو، وأخذوها إلى بعض التلال المجاورة حيث وجدت بعض النساء الأخريات هناك، ثم تم اغتصابهن وتعذيبهن بالتناوب».

وإمعانًا في الذل لإجبار المسلمين على الرحيل تصنف الحكومة منذ 35 عامًا، نحو 750 ألفـًا من أبناء الروهينجا، الذي يعيشون في أراكان «غربي ميانمار» على أنهم مسلمون بنغال بلا جنسية جاءوا من بنغلاديش المجاورة.

قد يكون الصمت حكمة، لكن في حالة مسلمي الروهينجا فالصمت خزي وعار على كل قادر أن ينقذ هؤلاء، فما يحدث تجاههم جريمة لا تغتفر، الكل مسؤول والجميع يتحمل عاقبة ما يحدث، سواء كانت مؤسسات دولية أو منظمات حقوقية، لكن قبل هؤلاء الدول الإسلامية، فهؤلاء أبناء دين واحد، والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد