غالبًا ما يا يثيرني مظهر المساجد، من حيث تصميمها، وزخرفتها، وما ينفقون عليها من أموال، من أجل زخرفتها، والعناية بها. لكن السؤال الذي كنت أطرحه عند رؤية تلك الزخارف، هو تكلفتها المادية، والجدوى منها أيضًا في القرن الواحد والعشرين.

الواقع أن المساجد في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت تلعب دورًا مهما في المجتمع حينها، فقد كانت مركزًا ثقافيًّا معتبرًا؛ فهي مصدر كل شيء ابتداء من الدين، وانتهاء بالاقتصاد في مرحلة كان مصدر التشريع واحد، هو الرسول -عليه السلام- فكان بناء المساجد ضرورة ملحة من أجل استكمال الدعوة، إذ لعب المسجد دور المدرسة، من خلال اجتماعات الصحابة من أجل الاستماع إلى أحاديث الرسول -عليه السلام- كما كان يلعب مركز القيادة من أجل تدارس جميع القضايا الأساسية في الحرب والسلام، وبناء الدولة، هنا كان بناء المسجد والعناية به ضرورة ملحة. ومكانًا لاستضافة أهل الصفة، وهم فقراء الصحابة.

وهكذا استمر الحال على ما هو عليه حتى بعد وفاة الرسول -عليه السلام- وعهد الخلفاء الراشدين، ومن أتي من بعدهم من الخلفاء. فقد كان المسجد مركزًا للعديد من القرارات المهمة والحاسمة. كما كان أيضًا يعد مركزًا لتدريس العلوم المختلفة، وذلك من خلال حلقات التدريس التي كان يقوم عليها كبار العلماء، هنا كان المسجد يسمى بالجامع كما هو متداول عندنا؛ لأنه جمع كل المؤسسات التي أصبحت مستقلة عنه اليوم. لكن ظهور المدارس والمراكز المختلفة لقيادة الدولة صار معها دور المسجد محدودًا وقاصرًا على أداء الفرائض، وبعض المحاضرات المعدودة، التي لا يأتي لها إلا عامة الناس. مع ذلك زاد الناس وتنافسوا في الإحسان من أجل بناء المساجد وتفريشها بما هو نفيس وغال، حتى أصبح يُخيل إلى الداخل إليه أنه قصر وليس مكانًا للعبادة.

هل تحتاج المساجد إلى كل هذه البهرجة حتى يحس الناس بحلاوة الإيمان؟ طبعًا لا يكفي أن يكون المواطن في أحسن حال على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، حتى يحس حلاوة الإيمان الحقيقية، ولما كانت الدولة لا توفر للمساجد ميزانية خاصة من أجل بنائها أو إصلاحها، تكفل أهل الإحسان من الميسورين بالبناء والإصلاح، وأداء واجبات الشرط للقيمين عليها، لكنهم تجاوزوا الحدود المعقولة لذلك. فلا يعقل أن نجد عدد المساجد في المغرب يصل إلى 41 ألفًا و755 مسجدًا وقاعة للصلاة يقوم عليها أكثر من ضعفيها. ونجد عدد المستشفيات لا يتعدى الـ 141 مستشفى من ضمنها 39 مستشفى متخصصًا و102 مستشفى عامًا بطاقة استيعابية لا تتعدى 27 ألفًا و326 سريرًا بمعدل سرير واحد لكل 912 نسمة. هل يكفي هذا لتلبية طلبات المواطنين المتزايدة على العلاج؟

لهذا أدعو أصحاب الإحسان ومن له القدرة والرغبة في بناء مسجد أو تفريشه عوضًا عن أن ينفق أموالًا كثيرة في بناء مسجد لا يُفتح إلا أربع مرات في اليوم، أن يوجه إحسانه إلى مستشفيات تُفتح طوال اليوم وتحتاج إلى ترميم كلي ووسائل للعمل. ولا تتوفر حتى على مرافق صحية تليق بمستوى الإنسان. وهناك مدارس لا تتوفر على أبرز المتطلبات الضرورية. فأغلب المدارس القروية بدون أسوار واقية أو مكتبات يعود إليها التلاميذ في وقت فراغهم أو حتى مراحيض تقيهم قساوة البرد والحرارة. أما الأقسام فحدث ولا حرج، لكن للأسف أغلب المحسنين يظنون أن أفضل وسيلة للإحسان هي في المجال الديني، وخصوصًا بناء المساجد.صحيح أن الإسلام دعا دعوة صريحة إلى بناء المساجد وإعمارها من أجل نيل رضا الله – عز وجل- لكن الفهم الخاطئ لحديث الرسول -عليه السلام- «من بنى بيتًا بنى الله له بيتًا في الجنة» وتعمد الدولة إلى الإبقاء على الفهم الخاطئ حتى يستمر الوضع القائم على ما هو عليه، هو الذي جعل الناس يعدون الإحسان يجب أن يبقى مقتصرًا على المجال الديني.

أقول إن من يريد رضا الله ليس من الضروري أن ينفق المال في مؤسسات كالمساجد، ويترك المجال الأكثر أهمية في حياة المسلم، فغالب المستشفيات العمومية لا ترقى إلى مستوى المتوسط، باستثناء المستشفيات الخاصة. والأمر نفسه ينطبق على المدارس؛ فالمدرسة العمومية لا تحتوي على مكتبات يستطيع الطلبة الاستفادة منها، كيف لنا أن نبني شعبًا ما زال أكثر من نصفه يرضخ تحت عتبة الفقر والتهميش، وأكثر من نصفه لا يتقن القراءة والكتابة. في المملكة المغربية ما يكفي من المساجد، بل هناك فائض يصل إلى حد التخمة. لكن ليس هناك اكتفاء ذاتي من المستشفيات والمدارس والأطر التعليمية والطبية. أقول للمحسنين وجهوا عطاياكم إلى إصلاح المستشفيات، وزيادة عدد الأسِّرةِ؛ فلا يعقل أن يتناوب شخصان مريضان جاءوا من أجل تلقي العلاج على سرير واحد، فيصابون بالعدوى بدلًا من العلاج.

أيها المحسنون، وجهوا إحسانكم إلى المدارس الابتدائية التي تربي الجيل الصاعد؛ فلا أحد يستسيغ أن تبقى مؤسسات تعليمية بدون مكتبات أو مرافق صحية؛ فالمدرسة هي التي ستبني ذلك الجيل الذي يفهم معنى الدين، ولن يتبول بجانب المساجد، وتضطر الدولة إلى كتابة ممنوع البول على جدار المسجد.

يجب إعادة النظر إلى مفهوم الإحسان والقصد منه. فأن نربي جيلًا يعي ما يقع على عاتقه من مسؤولية تاريخية خير من بناء مسجد لكي يصلي فيه جيل أمي، يظن أن الدين مقتصر فقط في الصلاة والصيام وباقي الأركان، متناسيًا أن مقاصد الإسلام ليست في أن تصلي الفرائض بل في أن تفهم فحوى هذه الفرائض.

أن تبني مستوصفًا قريبًا من الناس خير من أن تفرش مسجدًا بملايين الدراهم يقصده أناس يئنون تحت وطأة الأمراض الفتاكة والمعدية، فالله كرم الإنسان قبل كل شيء، لهذا يجب أن نحفظ له كرامته في العيش بكرامة وكرامته في مكتبة يقصدها أبناء الشعب وخلائف الله في الأرض، ومدرسة توفر على جميع المرافق الضرورية، ومستشفى يعطيه الدواء اللازم عند الحاجة إليه، وليس لإمام يبيع له وهم الرقية الشرعية من أجل علاج أمراض استعصى علاجها على أطباء أفنوا زهرة عمرهم في دراسة الطب.

أن تبني مدرسة ومستشفى سيكون أجرك عند الله أعظم من بناء مسجد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد