عندما بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بناء مسجده، انبثقت عمارة المسجد من بيئته المحيطة، سواء من شكله المربع أم من المواد المستخدمة في بنائه، على كل حال ظلت خصائص المسجد المعمارية الرئيسية كما هي على الرغم من الطرز المختلفة التي استخدمت للاستجابة للسياقات والبيئات المختلفة التي وصل إليها الإسلام، والتي عكست البيئات المتنوعة كالعمارة الإسلامية في آسيا وأفريقيا، الصين، الهند وعمارة العثمانيين الشهيرة.

في البداية، بكل مدينة كبيرة كان هناك مسجد واحد فقط يبنى ليجمع المسلمين لهذا سمي بالجامع، ولكن مع تمدد المساحة المسلمة كان واجبًا أن تبنى مساجد أكثر في مناطق مختلفة في المدينة نفسها، ولكن في الوقت نفسه كانت صلاة الجمعة تقام في المسجد الكبير لتجمع الناس، ومع التوسع المستمر للأرض، تم تشييد العديد من تلك المساجد الكبيرة في مختلف الأنحاء لتستوعب الأعداد الكبيرة من المصلين، ومع الوقت تمت إضافة بعض العناصر لتقابل الاحتياجات المطلوبة في مكان العبادة، ولكن نستطيع تلخيص مكونات المسجد الأساسية كالآتي:

المنبر ، المحراب – الذي لم يتواجد في المسجد الأول إنما أُضيف لاحقا-، القبة – أول قبة بنيت في الإسلام كانت قبة مسجد قبة الصخرة في 691 ميلاديًا أي بعد حوالي 60 عام من انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه، ويقال إن سبب بنائها هو لحفظ تلك الصخرة المقدسة بمبني مقبب يناسب القبب العالية المبنية بالمدينة، لاحقـًا، حاول المعماريون المسلمون أن يكونوا مبتكرين في بناء القباب الجاذبة بأشكال هندسية مختلفة كالمستديرة والمضلعة… إلخ

ووصلت مرحلة بناء القبب ذروة إبداعها في عهد الفاطميين والمماليك، مع ذلك في عهد العثمانيين حصلت على طرز مميز مكونة من قبة واحدة كبيرة مع العديد من القبب الصغيرة معها-

الصحن:                                                

الاحتياج الأساسي لعمارة المساجد المجمعة التي يمكنها استيعاب سكان مدينة بكاملها.

المئذنة:

واحدة من أكثر المظاهر المرئية لعمارة المساجد هي المئذنة وهو برج مجاور أو متصل بالمسجد حيث يعلن منه الأذان.

تأخذ المآذن العديد من الأشكال المختلفة، وللمئذنة بجانب وظيفتها تمثل تذكير بصري قوي بحضور الإسلام.

بنيت المئذنة لأول مرة في عهد الأمويين، ثم بدأ المعماريون لاحقـًا في تطوير شكلها وتزيينها، مثلما نرى في مختلف فترات العصور الإسلامية.

وعلى الرغم من الخصائص العامة المشتركة للمساجد التقليدية كما ذكرنا، نجد العديد من الاختلاف الطرازية الإقليمية من حيث الاختلاف في الأشكال، الألوان، الخامات أو التزيين العام للمسجد من الألوان البيضاء والزرقاء الزاهية في إيران، إلى الحجارة الصامتة بمصر في القرن نفسه إلى التأثير المعماري التراثي الظاهر على مساجد الصين وأفريقيا وإندونيسيا.

عمارة المسجد الحديثة (المعاصرة)

غالبًا ما تقدم عمارة المساجد المعاصرة مزجًا جديرًا بالملاحظة للطرز المعمارية التقليدية المختلفة لتقدم شيئًا يتم تعريفه ب”إسلامي” ويفي بالاحتياجات المعمارية المختلفة التي يحتاجها المسجد ويكون معاصرًا في طرزه، لا يوجد في الإسلام أية قواعد مختصة بالشكل، لا يوجد أي تصور للمسجد في القرآن كما يقول أستاذ العمارة عاقل إسماعيل بجامعة تكساس.

تاريخيًا، جماليات المسجد اختلفت دراميتكيًا من منطقة إلى أخرى، العالم الإسلامي يمتد من إسبانيا إلى أفريقيا إلى آسيا وكون سبع طرز إقليمية مميزة، من الصحن المفتوح في إسبانيا وشمال أفريقيا إلى السقف الهرمي في جنوب شرق آسيا إلى القبب الضخمة المركزية بتركيا، وعند نظرنا إلى المساجد المعاصرة أستطيع تقسيم تلك المساجد المبنية حديثـًا إلى 3 أنواع:

1- – استخدام عنصر أو رمز قديم في شكل حديث، ونستطيع أن نرى أمثلة لهذا كمسجد يشيل وادي، تشامليجا وشاكرين في أسطنبول، أو جامع كولونيا في ألمانيا، أو المسجد الكبير بكوبنهاجن أو مسجد أفينيوز في الكويت، أو مسجد ريجيكا في كرواتيا أو العرض المقدم في مسابقة جامع برشتينا المركزي المقدم من  Oada+.

2- – استخدام نفس العناصر أو الشكل القديم ولكن باستخدام خامات بناء حديثة وهذا هو النوع الأكثر انتشارًا.

3- – إنشاء شكل حديث تمامًا وهذا النوع من التصاميم نادر، أو يقدم كمجرد اقتراح تصميمي ولم يبنى بعد، كمسابقة برشتينا عرض فريق

Prishtina central mosque proposal by team Venturella،East Park mosque in Manama،Dubai mosque by Furiborz Hatam،Halide Edip mosque by Manco arch،

أو جامع سانجاكلار الذي زرته، ولذا أحببت أن أتحدث أكثر عنه لأنه واحد من الأمثلة المميزة لتصاميم المساجد الحديثة.

جامع السانجاقلار

أن تُعكس بساطة الإسلام ببساطة المواد المستخدمة لبناء المسجد، أن يستخدم الأسلوب الحديث غير المعقد الذي يتم خلق مكان للعبادة يجمع بين حضور الإسلام والحياة العصرية.

بدون استخدام قبة أو منارة- بشكلها المتعارف – أراد المعماري الخروج عن الشكل، أراد المعماري كما يقول أن يصل إلى جوهر شعيرة الصلاة.

استعان أرولات على العناصر الأولية، مواد قوية كالحجر والخرسانة، تضاد بين الظل والضوء، تكامل بين البناء وموقعه، والنتيجة هو مكان بسيط لكن قوي يبعث براحة نفسية تشجع على العبادة والصلاة.

في سياق يتم فيه بناء جميع المساجد بشكل مقلد للطراز العثماني أراد أرولات أن يكسر هذا القالب بتصميمه الفريد، في رأيي فقط عيبه الوحيد هو تكلفته الإنشائية العالية حيث بلغت 1.125 مليون دولار.

 

انتقادات وردود:

المساجد الحديثة لا تبدو حقـًا كمساجد

يجادل العديد أن المساجد الحديثة تفشل في تحقيق وظيفتها بشكل صحيح لأنها لا تبدو كالصورة الأولية التي في مخيلتنا عن المساجد، إنها لا تبدو كمساجد! وإجابتي هنا بسيطة، أن المساجد التقليدية نفسها في زمانها كانت جديدة وغير تقليدية، وفي كل عصر وكل بقعة مختلفة من بقاع البسيطة يولد شكل جديد وطرز جديد للمساجد لعدة أسباب مختلفة مثل الانسجام مع موقعه، الاستجابة للاحتياجات، التفاخر أو التخليد، وكما ذكرنا من قبل فإن النبي صلى الله عليه وسلم شجع على استخدام تقنيات ووسائل مساعدة إذا وجدت، وعلى جانب آخر فإن الإسلام لم يحدد أي شكل محدد للمسجد، فلماذا إذن تلك النماذج الإقليمية تعاد من جديد مرارًا وتكرارًا، سواء أكانت مغربية، عثمانية أم إيرانية، مصرية… إلخ، لماذا علينا كمعماريين ألا نجرب شيئًا جديدًا؟ كانت الأجيال القديمة مبدعة ومبتكرة وجربوا أن يخلقوا عمارتهم الخاصة بهم، فلماذا يجب علينا أن نتوقف عند تلك النقطة التي وصلوا هم إليها لأنه سيكون مؤشرًا مخزيًا أو حتى كوننا خائفين من الفشل، أثناء تجولي في أسطنبول أدركت حقيقة معنى مفهوم الأصالة بعدما سمعته كثيرًا من أساتذتي في الجامعة عندما لاحظت الفارق بين المساجد العريقة القديمة الأصيلة والمباني الحديثة المقلدة.

باختصار مساحات مفتوحة للصلاة، واحدة للنساء وواحدة للرجال، غرف للاغتسال، منبر وحائط متوجه نحو الكعبة هو شيء بسيط بوضوح، لذا هنالك العديد من الفرص للتجربة والتجريب لنكسر القالب الذي تم حبس المعماريين فيه منذ حوالى ألف عام أو أكثر.

كيف لا نبني قبة ومئذنة؟

القبب والمآذن استخدموا لوظيفة ما كما وضحنا بالأعلى، وليس لها أي أصول لتعاليم الإسلام، لذا فعدم استخدامهم ليس حرامًا بل إن بعض الفتاوى أخبرت بحرمة استخدامهم من جانب الإسراف إذا لم يتواجد لهم وظيفة محققة، فلماذا كمعماريين لا نفكر في عناصر جديدة تعطي حلولاً مرضية لمشكلة متواجدة حاليًا كالحل الذي استخدمه المعماريون القدماء لمواجهة المشاكل التي واجهوها.

بناء مسجد على الطراز الحديث ليس من ثقافتنا وإنما هو شيء مقتبس من الغرب

حسنًا، أنت تعلم أن التزيين الذي تدافع عنه مقتبس أصلاً من الساسانيين والبيزنطيين؟ أو هل تعلم أن القبب نفسها اقتبست من البيزنطيين؟ ما أريد قوله هنا أن التكامل بين الثقافات المختلفة كان متواجدًا دومًا في تاريخنا، طالما هو مستخدم بطريقة ليست متعارضة مع الإسلام.

مسجد بدون آيات وكتابات؟

وكما أوضحنا سابقـًا أن استخدام الزخرفة والكتابات محرم في المساجد، لذا من الواضح أن حتى بعض المساجد الحديثة حققت اقترابًا أكثر من الصورة المثالية للمسجد أكثر من المساجد التقليدية

نتيجة

المساجد الحديثة لم تأخذ فرصتها بعد، توجد في المستقبل القريب بعض الخطوات التي قد توضح لنا إمكانية زيادة الاتجاه إلى طراز المساجد الحديثة، وإني أرى بوجه شخصي أن الحداثة هي ضرورة لأنها طريق يقودنا خارج  تعقيد المساجد التقليدية إلى البساطة المطلوبة للصورة المثالية الإسلامية للمسجد، ومع ذلك توجد بعض المعضلات والتساؤلات التي تواجهنا عند التفكير في الاتجاه إلى استخدام الطُرز الحديثة في تصميم المساجد، والتي أفضل أن أفرد لها مقالاً مستقلاً بإذن الله قريبًا بعد أن أتلقى بكل رحب تعليقاتكم ونقاشاتكم بخصوص ما تم ذكره في الصفحات السابقة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد