منذ عام 1930 هاجرت مجموعة من علماء التحليل النفسي اليهود من ألمانيا النازية للاستقرار في فلسطين. ومنذ تلك المرحلة المبكرة كانت هناك بعض الأنشطة السيكولوجية، مثلًا فقد عمل ماكس أيتنقون على إنشاء جمعية فلسطين للتحليل النفسي. وتمـت أول محـاولات لإدخـال علـم الـنفس في الجامعة العبرية بالقدس، وكان سيجموند فرويد عضوًا في مجلس هذه الجامعـة. كما جرى تأسيس كرسي فرويد للطب النفسي في الجامعة العبرية بمباركة مـن «آنا» ابنـة فرويد، وأصبحت القدس حينها مركزًا رئيسًا لتقدم التحليل النفسي على المستوى الفكري والبحثي.

تعتبر أقسام علم النفس في إسرائيل من أكبر الأقسام العلمية في الجامعـات الإسرائيليـة. ولا يقبل في هذه الأقسام إلا هـؤلاء الطـلاب الـذين لهـم تحصـيل دراسي عـال، وقـدرات عقليـة عالية. ويكون معدل الرفض في بعض أقسام علـم الـنفس 14 مـن 15 مرشـحًا للقسـم، أي يقبـل طالب واحد بين كل 15 مرشحًا. وتعمل أفضل العقول المتخرجة من أقسام علم النفس في قوات الدفاع الإسرائيليـة، والتـي بها وحدتين لعلم النفس. تهتم إحدى الوحدتين بعلم النفس الصناعي، وتهتم الأخرى بالصحة النفسية للجنود.

أما الموساد فيوجد في المخطط التنظيمـي له وحدتين لعلم النفس. فهناك «وحـدة علـم الـنفس العام»، ولهـا علاقـة برئيس العمليات ورئيس الخدمات ولها علاقات متداخلة ومعقدة مع التكنولوجيا والوثائق والأبحاث والتاريخ والإدارة من جهة، ومن جهة أخرى لها علاقة مـع البريـد، والاتصـالات، والخـدمات الخاصـة، والكمبيوتر والارتباط مع الداخل. أما الوحدة الثانية لعلم النفس بالموساد فهي «وحدة الحـرب النفسـية» والتـي لهـا علاقـة بـرئيس العمليـات ومنظمـة التحرير الفلسطينية ولجنة المحررين. ويبدو أن الوحـدتين مـن خـلال المخطـط التنظيمـي للموسـاد تلعبــان دورًا إســتراتيجيا في عمليــات الموســاد الميدانيــة، وفي عمليــة الاختيــار والتــدريب بالنســبة للجواسيس.

يستخدم الموساد أدوات علم الـنفس بفعاليـة في عملية اختيار وتدريب الجواسيس. وذلك من خلال تطبيق بعض الاختبـارات السـيكولوجية الخاصـة بالقدرات العقليـة والسـمات الشخصـية والمزاجيـة للمرشـحين. فـأعمال التجسـس تتطلـب مهـارات سيكولوجية محددة ويجب كشفها وصقلها لكي تكون أكـثر فعاليـة. ففـي مدرسـة التـدريب التابعـة للموساد تجـرى المقـابلات الصـارمة والدقيقـة لاختيـار أفضـل الجواسـيس. كـما تجري عمليـة صـياغة الجواسيس وفق برامج صارمة لعمليات التشكيل والقولبة بالنسبة للتفكير والسلوك الذي ينسجم مـع أعمال التجسس. ويتدرب الجواسيس كذلك على الكيفية التـي يعـبرون بهـا عـن مهنـتهم، واكتسـاب الملاحظة الدقيقة والتدريب على الحس الأمني، والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، كما يتدرب الجواسيس على عمليـات السـتر، والتغطيـة، والتعقـب، وكيفيـة تجنيـد العمـلاء، وكيفيـة حمايـة الـذات وتوظيـف سيكولوجيا الجنس في الأعمال الميدانية بغرض الابتزاز أو جمع المعلومات.

تعتبر دقة الملاحظة البدايـة الحقيقيـة في علم النفس وفي أعـمال التجسـس وجمـع المعلومـات وكتابـة التقارير عنها. ويطلب من مرشحي الموساد الجـدد تسـجيل ملاحظـاتهم عـن أعـمال فجائيـة واقعـة أمامهم. فمثلًا أثناء فـترة الدراسـة في مدرسـة التـدريب أعلـن ضابط إسرائيلي أن المرشحين سيتعلمون الأمـن الشخصي، ومـا كـاد يبـدأ محاضرتـه حتـى رفـس بـاب الغرفـة واقتحمها رجلان كان أحدهما يحمل مسدسا ضخام من طراز «النسر» والآخر مدفعًا رشاشًا، وأخـذوا فورًا في إطلاق النار. انكـب الجميع عـلى الأرض، لكـن سقط منهم ضحايا مضرجين بالدماء. خلال لحظات خرج الـرجلان واسـتقلا سـيارة وغـادرا المكـان، كان الحضور في حالـة صدمة مخيفة، ولكن قبل أن يبـدي المرشـحين أي رد فعـل وقـف أحد الضباط المقتولين وأشـار إلى أحـد الضباط المرشحين، وقال له «حسنا، لقد قتلت الآن، أريدك أن تصف من قام بقتلي وتذكر عدد الرصاصات التي أطلقت، والمعلومات التي قد تساعدنا عـلى تعقـب القـاتلين». وفـيما بعـد قـال لهـم رئـيس إدارة العمليات «سنشرح لكم الهدف من هذه التمثيليـة التحذيريـة، أننـا نقـوم بمعظـم أعمالنا في بلدان أجنبية، وبالنسبة لنا، فإن كل شيء هو إما عدو أو هدف، ولا شيء ودي. إنني أعني ما أقول».

طبق الموساد علم النفس بدقة متناهية في عملية اغتيـال الأميرة ديانا ودودي الفايد، وذلـك مـن خـلال عمليـات الفهـم والتنبـؤ والتحكم الموجودة في علم النفس. استطاع عميل الموساد أن يطبق مهارة فائقة في عمليـات اختيـار العميل المناسب في اللحظة المناسـبة والمكـان المناسـب والتـدريب المناسـب، والحركـة المناسـبة فـيما يسمي بالاقتراب البارد. وفوق كل ذلك الضغط النفسي الفظيع، والذي يؤدي بـدوره لضـغط جسـمي مع عملية الإيحاء بزيادة جرعات مضادة للاكتئاب والأرق لدرجة فقد التـوازن النفسي الـذي يـؤدي لقيادة السيارة بسرعة جنونية تؤدي الهدف المنشود بمهارة خرافية، لكن كيف طبقت المخابرات الإسرائيلية مفاهيم «علـم نفـس الشخصـية» في دراسـة عميل الموساد المرتقب «هنري بول» بفندق الريتز، والذي يتوقع بـأن يقـوم بـأعنف عمليـة اغتيـال في نهاية القرن العشرين. هل نومته مغناطيسيًا؟ أو مجرد تمت عمليـة إيحاء بالنسبة له بالقيام بعملية قتـل؟ كـما تمت عمليـة الإيحـاء بالنسـبة لسرحان المـتهم باغتيـال الرئيس الأمريكي جون كنيدي. وهل العقاقير التي بدأ هنري في استخدامها لها علاقة مبـاشرة بموضـوع الإيحاء؟

لم يـنجح علـم الـنفس في العـالم العـربي بتحقيـق طموحاتـه الثلاثة المـذكورة في مقدمات كتبه وهي: الفهم، والتنبؤ، والتحكم؛ لأنه لم يستوعب أن واحدًا من أهم جوانب التطبيقات العالمية لعلم الـنفس وضوحًا هو المفارقة بين عملية (التطبيق بالجملة)، و(التطبيق بالقطـاعي)، وتعنـي العمليـة الأولى، الاستخدام الأشمل أو الأوسع أو الأكبر (الماكرو) لعلم النفس في السياسة الدولية، وخاصة في الاستعمار والحرب الباردة بقصد التحكم، واستخدامه في المخابرات بصورة خفية ومستورة، بينما تعني الثانية الاستخدام الأضيق أو الأصغر (الميكرو) لعلم النفس في الحالات الفردية، وخاصة في المجـال التربـوي، والعلاجـي، والمهنـي، وهو ما نقتصر عليه في عالمنا العربي. وتبعـًا لهذا التعريف يبدو أن علماء النفس في الغرب في حالة مـن الاسـتعداد المهنـي لتطبيـق علـم الـنفس بفعالية بالجملة (الماكرو)، وبالقطاعي (المايكرو) على السواء.

فوزارات الـدفاع وأجهـزة المخابرات في إسرائيل والدول الغربية هي التي تصدر القرارات، أو تبادر بتطوير علم النفس وتطبيقاته في مجال الاختيار والتدريب وتمول الأبحاث للأغراض الدفاعية الكبرى، ويختار لها أكفـاء علماء الـنفس، وأعـرق الجامعات، ومراكز البحوث، بينما لا علاقة واضحة لعلم الـنفس في العـالم العـربي بـأغراض الـدفاع، ولا ندري إذا كانت هناك مخابرات عربية واحدة تقدم بحثًا لتطور علم الـنفس أو لتطبيقاتـه، أو حتـى تعين علماء نفس كاملي الدوام أو تستقطب علماء وجواسيس من أقسام علم النفس. فنحن لا نسمع بالمخابرات العربية إلا ضد المواطنين العرب في الداخل والخارج، بينما المعروف أن المخابرات الحقيقية هي ضد الأعداء أو الجيوش الأجنبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد