رأينا في المقال السابق كيف تطبق إسرائيل وأجهزتها الاستخباراتية والأمنية علم النفس (بالجملة)، وعرفنا معنى هذا التعبير، كما عرفنا أن المعاهد الكبيرة تجرى فيها الأبحاث والاستخدام الذكي لتطبيقات علم النفس في قسم الأبحاث التابع لوزارة الدفاع الإسرائيلية. كما لاحظنا عملية الاختيار الصارمة لطلاب علم النفس في جامعة تل أبيب والمستوى الرفيع لعلم النفس في إسرائيل مقارنة مع بقية المهن. وبرهنت الخدمات السيكولوجية المقدمة للجيوش الإسرائيلية على أهميتها كعامل خطير بالنسبة لقوات الدفاع الإسرائيلية. وتبعًا لذلك تم توظيف علماء النفس في كل الوظائف القيادية، ولكن بالرغم من التقنيات الكبيرة التي يستخدمها الموساد، وعمليات التخطيط والبرمجة لم يمنع ذلك من قهر الأسطورة الموسادية.

دأبت الأوساط الحاكمة في المؤسسة العسكرية الصهيونية على طرح المقولات ونسج الأساطير حول قواتها المسلحة، فجيشها لا يقهر، والعسكري عندها لا يعرف التردد أو التراجع، وحاول قادة الكيان الصهيوني أن يحيطوا أجهزتهم الاستخبارية بهالة كبيرة قادت مسئوليها إلى الشعور بالنشوة المشوبة بالغرور، بعد كل نجاح استخباري حققوه، الأمر الذي جعل بعض العرب يميلون إلى الاعتقاد بأن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قادرة على معرفة ما يدور بين جنبات مساكنهم ولو همسًا. صحيح بأن أجهزة الاستخبارات هي الدماغ الذي يحكم العمل العسكري الإسرائيلي الذي اعتمد أسلوب المفاجأة فحقق انتصارات سريعة، وجعلت من الجيش الإسرائيلي الأسطورة المعجزة، لكن حين فقدت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بريقها، حيث تم اختراقها وتضليلها، انكشف القناع عن وجه هذا الجيش فبدا على طبيعته يمكن أن يقهر.

بالرغم من عمليات التمويه والحيطة والحذر مني الموساد بمجموعة من الهزائم والكوارث، وتبعًا لذلك أصبحت هذه الأسطورة واقعًا تم قهره في كثير من العمليات. وبالرغم من التدريب السيكولوجي والمخابراتي حتى النخاع لرجال المخابرات أو الجواسيس هناك أكثر من 400 إسرائيلي ماتوا في خدمة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حتى 1988 منهم 261 من استخبارات الجيش (أمان)، و80 من الشين بيت و65 من الموساد. من أشهر هؤلاء يكوف بوكاي الذي أعدم في الأردن عام 1949 بعد أن تسلل من خلال خط وقف إطلاق النار متخفيًا مع أسرى الحرب العرب الذين أطلق سراحهم. وهناك ماكس بينت وموشي مرزوق اللذان ماتا في سجن مصري في أواسط الخمسينات بعد انكشاف شبكة تخريب إسرائيلية كبيرة في إطار قضية لافون. وهناك أيضًا إيلي كوهين الجاسوس الخرافي الذي اخترق أعلى المستويات في الحكومة السورية وأعدم شنقًا، ونقلت وقائع إعدامه على شاشة التلفزيون في دمشق عام 1965. وباروش كوهين وهو من عملاء الموساد، أرداه مسلح فلسطيني في مدريد عام 1973. وكذلك موشي غولان وهو ضابط أمن في الشين بيت قتله مخبر من الضفة الغربية داخل منزله في إسرائيل عام 1980. وياكوف بارسيمانتوف وهو من رجال الموساد الذي اغتيل قبل أسابيع من الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وفكتور رجوان وهو من عناصر الشين بيت والذي قتله مسلحون إسلاميون في غزة قبيل الانتفاضة الفلسطينية عام 1987.

لم تكن كل العمليات التي نفذها الموساد ناجحة، فهناك جانب كبير من العمل الفاشل مثلما جرى في فشل اغتيال خالد مشعل والإفراج عن الشيخ يس رحمه الله. وشكلت هذه الإخفاقات ضغوطًا مهينة للموساد ولإسرائيل. وكانت إحدى الضربات التكتيكية الموجعة على الصعيد الاستخباري أيام حرب أكتوبر تتمثل في وقوع 14 جنديًا من وحدة 8200 التابعة لجهاز الاستخبارات في أسر الجيش السوري، والذين كانوا داخل موقع في جبل الشيخ وقد سقطوا في الأسر بعد معركة قصيرة وميئوس منها. وكان من بين الأسرى عاموس ليفنبرج الذي يتمتع بذاكرة هائلة ويملك معلومات كبيرة جدًا عن الاستخبارات ووحدة الأركان. في بادئ الأمر لم يكن يدرك السوريون أنهم وقعوا على كنز ثمين ولكنهم أدركوا ذلك فيما بعد. وسقطت في أيديهم أسلحة متطورة وحساسة مما جعل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي يعود إلى نقطة الصفر.

صحيح جدًا أن الموساد نجح في عمليات اقتحام طائرات بعيدة عن أراضي إسرائيل في أوغندا، ولكنه فشل في استعادة جندي مخطوف داخل فلسطين. وفشل الموساد في التنبؤ بحرب أكتوبر 1973، وقد يساوي هذا الفشل النجاحات السابقة. وقد تحدثت لجنة «أغرانات» والمحدال وغيرها عن تقصيرات في الاستعدادات وفي جمع المعلومات وتقييمها، وقد دفع الغرور برئيسة الوزراء غولدا مائير لرفض كافة الإشارات القادمة من واشنطون وعواصم غربية أخرى حول احتمال أن يشن العرب حربًا بعدما وصلوا لاستنتاج باستحالة حدوث حل سلمي فيه الحد الأدنى من الكرامة الوطنية، وهكذا تم تدمير الهالة الكاذبة التي أحاط بها الموساد نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد