إسرائيل توفر على الولايات المتحدة وحدها في المنطقة عشرين حاملة طائرات.

باحث استراتيجي سوفيتي.

الصورة الأولى كانت بالضبط منذ مائة سنة «1882». سفينة تافهة اسمها أصلان ترسو في الخامس من أغسطس في ميناء حيفا بعد أن أبحرت خمسة أيام من رومانيا، وعليها بضاعة من البشر لم يأبه لها أحد: ثلاثة عشر رجلًا وامرأة واحدة، من حركة لم يسمع بها أحد، من الشرق العربي على الأقل. أحباء صهيون «البيلو» نزلوا مهاجرين فأسسوا أول مستعمرة زراعية أجنبية عند عيون «قادة» جنوبي يافا، هي التي عرفت فيما بعد باسم «ريشيون ليزيون» «الأولى في صهيون». والممول لهذه الحركة كان الرأسمالي اليهودي الأخطبوط البارون روتشيلد. والوسيط هو الرأسمالية الاستعمارية. وخلال خمسين سنة بعد ذلك ظل يدفع للهجرة. والرجال الثلاثة عشر الأول المسالمون صاروا أربعة آلاف مقاتل). هكذا قال أستاذ التاريخ العربي الدكتور شاكر مصطفى.

كانت منظمة بيلو تمثل أول محاولة قام بها الصهيونيون اليهود لتأسيس منظمة تجسس صهيونية تجلب مزيدًا من المهاجرين لفلسطين، كما تعمل على التجسس ضد الأتراك لصالح بريطانيا. وفي عام 1914 شكل الصهيونيون منظمة تجسس أخرى «نيلي»، مرتبطة بالاستخبارات العسكرية البريطانية، وتتجسس لحسابها على المواقع العسكرية للجيش التركي. قبل نشوء الدولة بحوالي ثمانية وعشرين عامًا ترأس الكولونيل فريدكيش الدائرة السياسية للوكالة اليهودية. كانت مهمة الدائرة تكوين شبكات التجسس العاملة لخدمة المصالح الصهيونية. مثلت الجنسية البريطانية للكولونيل دليلًا قاطعًا على تبعية الدائرة السياسية للإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس. بعد تأسيس الكيان الصهيوني لم يكن جهاز الموساد كمكون رئيسي في تركيب الدولة الوليدة بمعزل عن حالة التبعية للقوى العظمى التي تقود الإمبريالية وهي الولايات المتحدة.

يصعب الحديث عن عدم اختراق جهاز الموساد (أو نواته التأسيسية الممثلة في الدائرة السياسية) في ظل التبعية التي وسمت الدولة وكافة أجهزتها. الجهاز يعمل على شاكلة السمكة التي تعوم في بحر الأجهزة الاستخباراتية الغربية، متى خرجت من البحر فقدت مقومات حياتها وبقائها. لم يقتصر الاختراق على الدول الغربية فقط. أتت أكثر الضربات إيلامًا من جهاز الكي.جي.بي السوفيتي. ساعدت الأصول الأوروبية الشرقية لكثير من المهاجرين الصهاينة الجدد المخابرات السوفيتية على اختراقها للمجتمع الإسرائيلي بشكل عام والموساد بشكل خاص. أوقعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بالمستشرق الروماني الصهيوني أهارون كوهين والعالم التشيكوسلوفاكي كورت سيطة والأرميني هاغوب عنتريسيان والعالم البيولوجي ماركوس كلينغبرج الذي ظل يتجسس لصالح السوفيت فترة تزيد على ثلاثة عقود تمكن خلالها من نقل أسرار الأسلحة البيولوجية والكيميائية التي تصممها إسرائيل إلى المخابرات السوفيتية.

بالرغم من حالات الاختراق العديدة التي أصيب بها الجهاز، كانت حالة الدكتور إسرائيل بير من أكثر الحوادث التي هزت أسطورية الموساد ووضعت هيبته على المحك. حارب بير النمساوي المولد في الجيش الإسرائيلي عام 48، وبعد انتهاء الحرب عين رئيسًا لشعبة التخطيط في الجيش الإسرائيلي. استقال بعدها من وزارة الدفاع، لكنه عاد في العام 55 لتزداد أهميته وتغلغله في الجيش والمجتمع الإسرائيلي، حتى ترأس مدرسة المؤرخين العسكرية التي افتتحت في جامعة تل أبيب، وعمل محاضرًا في كلية القادة والأركان التابعة للمؤسسة العسكرية الصهيونية. عندما ألقي القبض عليه عام 61 كان قد فرغ لتوه من تسليم مجموعة من الأوراق السرية للعميل السوفيتي الذي استخدمه.

عندما علم «بن جوريون» مؤسس الكيان الصهيوني وأول رئيس وزراء له صرخ قائلًا: كنت غارقًا في بحر من الأكاذيب. لم يخطر ببال أحد أن تحتوي الأوراق المهربة على دفتر المذكرات الشخصية لـ«بن جوريون». لم يكن إسرائيل بير أرفع مؤرخ عسكري إسرائيلي فحسب، بل كان صديقًا شخصيًا لـ«بن جوريون»، وكان الوحيد الذي يسلمه مفكرته الشخصية. كانت الفضيحة مهينة ومدوية للموساد. لم يكن سقوط بير نتيجة لقدرات الجهاز الذاتية. جاء اكتشافه عن طريق تبعية الموساد للمخابرات المركزية الأمريكية والبريطانية اللتين تضررتا بشدة من تسريباته بعد أن وصلت اختراقاته قلبهما.

كان للأجهزة المخابراتية العربية نصيبها من الاختراق والنفاذ داخل الموساد. لم تخل الانتصارات العربية على الكيان الصهيوني من مجهود استخباراتي ممهد لها. حتى العمليات الصغيرة التي هزت ثقة العدو في نفسه وأرعبته لعبت فيها استخبارات الجيوش أو حركات المقاومة دورًا أساسيًا. من أشهر هذه العمليات عملية «أنصارية» التي أدت إلى مقتل 12 جنديًا من الجيش الإسرائيلي. لم يكن ممكنًا استدراج الإسرائيليين لكمين أنصارية بدون تجنيد العملاء الذين سيقدمون الطعم الكاذب للقادة الصهاينة. لم يكن هذا الطعم بالطبع سوى أحد قادة المقاومة اللبنانية. كانت نتائج العملية زلزالًا عنيفًا للموساد. زلازل عديدة أصابت أسطورية الموساد وقوته من كافة الجهات، الصديق منها قبل العدو. رغم التهويل وعملقة الجهاز، إلا أنه كسائر مؤسسات الدولة الصهيونية يعاني من التصحر وهجرة العقول. يزداد اعتماده تبعًا لذلك على الدعم الخارجي (كحال الدولة كلها) الذي إذا ما انقطع تهدم مع سائر الدولة وصار أنقاضًا.   

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موسوعة الأمن و الإستخبارات في العالم. د. صالح زهر الدين. الجزء السابع و الثامن
عرض التعليقات
تحميل المزيد