حق الاختيار

لا شك أن هجرة الإنسان من وطنه لهي أكبر خطوةِ قد يقدم عليها في حياتِه، فيبدأ الترتيبات والتجهيزات ماديةً ومعنويةً، ويضعُ الخططَ والاحتمالات، ويدرس جدوى الانتقالِ من عالمه الذي يألَف إلى عالمٍ جديد لا يعرفُ عنهُ الكثير.

يُنسق لسفره ولاستقراره ولعملِه ولربما مدارس أبنائه أو جامعاتِهم، إلى أن يصل ويكتشف المزيد والمزيد من الأمور التي لم تكنْ تخطُر له على بال.

تُواجهه تحدياتٌ ومعضلاتٌ لربما قد سمعَ عنها مسبقًا، لكنه لم يكن يصدقها أو تجاهلها، حتى لا تُثني عزيمته عن الهجرة.

إن أهم هذه التحديات، هو وجوده في عالمٍ جديدٍ بثقافةٍ جديدة، بين أناسٍ أغراب، لديهم من أسلوبِ الحياة ما لم يعهد مسبقًا، إن طريقة تعامله مع هذا الأمر سيحدد مدى سعادته ورضاه عن حياتِه الجديدة.

ففي النصفِ الآخرِ من الكرةِ الأرضية، كل شيءٍ مختلف، الدين مختلف، القوانين التي تحكم الناس مختلفة، العاداتُ التي يمارسونها مختلفة، الزواجُ مختلفٌ، والطلاقُ مختلف، الحريةُ بكامل أنواعِها مختلفة، ما هو مباحٌ وما هو ممنوع، ما هو على الصعيدِ الاجتماعيِ مقبول، وما هو مرفوض.

فمن الطبيعي أن يجد المهاجر صعوبةً بالغةً في الاندماجِ معَ الشعوب الأخرى هناك، فتجده دائمًا في حيرةٍ من أمره، كيف يتعايشُ مع هؤلاءِ المختلفين عنه؟ إن كان معظمُ ما يؤمن وما يفعل وما يمارس مختلفًا عنهم؟

ذلك أن ما يؤمن بهِ نابعٌ من الانقيادِ والانصياعِ للثقافةِ التي تربى عليها، والتي تحتمُ عليه أن يكن كما الناس من حولِه، أو هوَ على خطأ.

الحقيقة أن معظمنا أينما نعيش قد لُقنا كل ما نعرفه تلقينًا، حتى ترسخَ في اللاوعيِ لدينا أن هذا هو الصواب، مهما كان، فالجميعُ حولنا أو بدقةٍ أكثر، معظم الناس من حولِنا، تفعله دونما أي نقاش، إذن لا محالة هو الصواب.

وما إن تطأ قدما الشرقيِ بلادَ الغربِ مثلًا حتى يجدَ نفسَه بين أناسٍ يُخالفون كل ما يعرِف، ويفعلون كل ما كان ممنوعًا من أن يفعله، بل يمارِسونه وكأنه صحيحٌ تمامًا. وأي شيءٍ مغايرٍ مغلوطٌ ولا صحةَ له. فهل يجرؤ على أن يكون مختلفًا؟

يبدأُ المسكين بسؤالِ نفسه، أين الصوابُ من الخطأ؟ من على حقٍ ومن على باطل؟

ما إن سأل نفسَه هذا السؤال حتى يجدَ نفسَه على منعطفٍ مهمٍ في حياته. قراره بالإجابة عن هذا السؤالِ يوقظُ في اللاوعي لديهِ شيئًا كان مغيبًا عنه سابقًا، ألا وهو حقُه بالاختيار.

لطالما كان تابعًا، يمضي كما يمضي من حوله، يجاري الأغلبية في دينِهم، وعقائدِهم، وعاداتهم، وأعرافهم، وتقاليدهم، حتى أصبحَ نسخةً عن أيٍ ممن حوله، إلا من رحم ربي فالمعظمُ بهذه الطريقةِ يعيشون.

أما من تجرأ وسأل وبدأ بإظهار الاختلافِ هاجمه الجميعُ من حولِه، ونعتُوه بأسوأِ ما يمكن أن ينعت به المرء، حتى رجع عما هو عليهِ من تساؤل، عاد خاضعًا للقطيع.

وهنا يتخذ السائلُ أحدَ النجدين، فإما أن يخرجَ من الدائرةِ وينظرُ إلى كل الأمورِ من منظارين، منظار من هم مثلُه، ومنظار من هم عنه مختلفون، ثم يقررُ بنفسِه إلى أيُهما ينتمي، وبأيهُما سيفضلُ العيشْ، وبهذهِ الطريقة سيكُون سعيدًا بالنتائجِ؛ لأنها نابعةٌ من شيءٍ قد اقتنعَ به فاختارَه لنفسهِ وفعلَه بكاملِ وعيِه. أو أنه سيبدأ مباشرةً بالبحث عمن هم يشبهونه، أي من يتحدثُ بلغتِه، أي من يؤمنُ بربِه، أي من اتخذَ طريقته نفسها بالعيشِ، يصبحُ ملاذًا ليشعرَ أنه على صواب، ويقي نفسَه الشعورَ بالاختلاف.

لرُبما يكون فعلًا على صوابٍ، لكنه لسوء الحظ قد ضيع على نفسِه فرصةً ثمينةً باكتشاف الذات، وبصناعة النفس. اكتفى كما اعتادَ على الانقيادِ والخضوعِ، دونما أدنى جهدٍ بإعمالِ العقل. ولنكن منصفين، فإن المجتمعاتِ الشرقيةِ أكبرُ مثالٍ على محاربةِ الاختلافِ، وتطبيقِ سياسة القطيعِ في معظم المجالات.

عليكَ أن تكن حاضرًا غائبًا، حيًّا ميتًا، تابعًا مغمضَ العينين، مرددًا بلا وعي، لكل ما تلقنته طيلةَ حياتك، حتى تستطع العيشَ بسلام، أو على الأصَح حتى تستطيع النجاةَ بروحك.

وهنا لا يستحضرني إلا رسلُ الله، وهم الأكرم منا جميعًا. لقد اعتزل محمد -صلى الله عليه وسلم- قومَه ليتعبدَ في غار حراء. لم يقتنع بأن قومَه على حقٍ لمجردِ أنهم كانوا كلُهم متشابهين، لقد آمن بأن اختلافَه عنهم لهو أمرٌ يستحق العزلة، ويستحق السؤالَ، ويستحق البحث.

ومن قبلِه إبراهيم – عليه السلام- وقد نظرَ إلى الأصنامِ التي عبدها أهله. وقال هذه ليست بربٍ يُعبَد. وبدأ رحلةَ البحثِ عن الله، فنظر إلى السماءِ فوجدَ قمرَها ساطعًا، بالنجومِ متزينًا، فقال هذا ربي، وما إن أَفلَ وطلعتِ الشمس بهيةً منيرة، قالَ هذا ربي هذا أكبرْ، فلما أَفلَت قال إنَ ربي ليس بشيٍء، إنما هو خالقُ كلُ الأشياء.

لقد أدرك الرسلُ أنهم لم يُخلقوا لِيُجاروا القطيع، وتَحَملوا ما تَحَملوا من أذى دفاعًا عمَا آمنوا به، ولم يستسلِموا أبدًا رغمَ كل العداءِ الذي واجَهوه من أقوامِهم وأهليهم.

ومما سبق، يتضحُ لكَ أن الإنسان يتطبع بأطباعِ من حوله، فقط ليشعرَ بالأمان، ليكفِي نفسه شر المواجهة، بكلمةٍ أوضحَ فإن ما يفعلُه الإنسانُ بهذه الحالة ليس إلا هروبًا، هروب من المحاولة لاكتشافِ الحقيقة، هروبٌ من مسئوليةِ اتخاذِ القرار، فدائمًا الحل الأسلم بالنسبةِ له هو أن يفعلَ كما يفعلِ الآخرون، وإلا فمواجهة مجتمعٍ بأكملِه هي الثمن.

فهل سيكون المهاجر مختلفًا ويواجه؟ أم أنه سيمشي ضمنَ القطيع؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات