إن الاتجاه الفكري الناجم عن التباين في فهم وإدراك الفلسفة الاجتماعية المبنية على النتائج المتوقعة لعملية التأطير (الافتراضي) للثقافة المجتمعية السائدة، ومدى قدرتها على إيجاد نوع من المواءمة بين المتطلبات اللازمة لبناء منظومة متكاملة للاتجاهات السائدة في خضم التحولات الاجتماعية الراهنة.

من هنا يأتي دور الثقافة والتربية باعتبارهما من العوامل المؤثرة في عمليات التفاعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، حيث تعمل التربية على نقل الثقافة من جيل لآخر، وعلى عملية التطبيع الثقافي لأفراد المجتمع الجدد، ففي الوقت الذي يوجد فيه الأطفال في مناخ منظم متكامل من المفاهيم والتصورات والعقائد فإنهم يتشربون هذه القيم، ويتمثلون هذه العناصر الثقافية عفويًا أو إراديًا، عن طريق المؤسسات التربوية القائمة التي قد تواجه العديد من التحديات انطلاقًا من كون عناصر الثقافة متغيرة، والتغير في العناصر المادية أسرع إذا ما قورن بالتغير في العناصر الفكرية.

وتأسيسًا على ما سبق، نجد أن كثيرًا من المجتمعات تواجه العديد من المشكلات الاجتماعية، وإذا ما كانت تلك المشكلات الاجتماعية تنتشر في أكثر من مجتمع، يمكن أن يطلق عليها لفظ مشكلات أممية. لكن ما يهم في هذا الصدد، أن المشكلات الاجتماعية تظهر عندما لا يقوم عدد كبير من الأفراد بالأدوار الاجتماعية التي حددها لهم المجتمع، والتي يتوقع منهم فيها سلوكًا معينًا، فعندما لا يستطيع الأفراد لأسباب مختلفة أن يقوموا بهذه الأدوار الاجتماعية المتوقعة فإن الموقف الناتج يمكن تعريفه بأنه مشكلة اجتماعية. كما أن القصور أو التهاون في حل تلك المشكلات الاجتماعية قد يولد مشكلات اجتماعية جديدة، مما قد ينشأ عنه اضطراب وتفكك في التنظيمات الاجتماعية الناجمة عن الصراع بين القيم الاجتماعية، واختلاف الآراء حولها.

مما قد يتطلب دراسة الفجوة المعرفية (القيمية) القائمة بين مكونات تلك النظم الاجتماعية  من خلال العديد من البرامج التي قد تعمل على دراسة القضايا الاجتماعية المعاصرة، ومعالجة التحولات الاجتماعية الناجمة عن التغير البيئي العالمي على ضوء التعرف على الفجوات المعرفية من خلال واضعي السياسات والباحثين في إطار قضية معينة، والمواطنين والمنظمات ووسائل الإعلام وقادة الرأي.

من هذا المنطلق، نجد أن مهمة اليونسكو UNESCO)) المتمثلة في تعزيز العلوم الاجتماعية، وتنامي الحاجة إلى إدارة هذه القضايا إدارة عالمية، وفي إطار جهود منظمة اليونسكو للتعرف على الفجوات المعرفية، فإنها تعمل على دعم الدول الأعضاء في الاستجابة للتحولات الاجتماعية من خلال بناء القدرات الذاتية للعاملين في هذه السياقات المعرفية، ومنها برنامج إدارة التحولات الاجتماعية موست (MOST) الذي أطلق في مارس (آذار) عام 1994 م، كأول مبادرة دولية حكومية يتم إنشاؤها ضمن منظومة الأمم المتحدة، ويعتبر جزءًا من برامج قطاع العلوم الاجتماعية والإنسانية لليونسكو، وقد صمم هذا البرنامج لإنتاج الأبحاث الموثقة وذات الصلة لصانعي السياسات العامة، وتنظيم وتعزيز شبكات البحوث الدولية، والاهتمام ببناء القدرات وإنشاء مراكز لتبادل المعارف في مجال العلوم الاجتماعية، التي تسهم في تحسين فهم وإدارة التحولات الاجتماعية، ويركز على تحسين الربط بين البحث وصنع السياسات، بما في ذلك وضع ورصد وتقييم الإجراءات والعمليات المتعلقة بالتنمية، ونشر نتائج البحوث، وبناء القدرات الإنسانية.

وفيما أكدت الوثائق التي أنشأت البرنامج التزامًا قويًا لتعزيز البحوث الدولية والمتعددة التخصصات، فإن الهدف الأولي من البرنامج هو «نقل نتائج الأبحاث في مجال العلوم الاجتماعية وبياناتها ذات الصلة إلى صانعي القرارات وأصحاب المصلحة الآخرين»، ويركز برنامج إدارة التحولات الاجتماعية على بناء جسور فعالة بين البحث والسياسة والممارسة. ويعمل البرنامج على تعزيز ثقافة صنع سياسات مستندة إلى الأدلة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية. وكونه البرنامج الوحيد التابع لليونسكو الذي يشجع الأبحاث في مجال العلوم الاجتماعية ويعززها، فهو يؤدي دورًا محوريًا في التعزيز الشامل لأهداف اليونسكو.

لذا يسعى البرنامج إلى التركيز على «أهمية وسائل الإعلام في مجال العلوم الاجتماعية، وفي مجال صياغة السياسات لسد الفجوة بين البحوث والسياسات في مجالات العمالة والشباب والاستثمار الاجتماعي» لتحقيق رؤية إنسانية للتعلم والتنمية مبنية على احترام الحياة وكرامة الإنسان وعلى التساوي في الحقوق، والعدالة الاجتماعية، والتنوع الثقافي، والتضامن الدولي، والتشارك في المسئولية من أجل مستقبل مستدام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد