الموصل جرح الزمان، كان يا ما كان! حدث في هذا الزمان، أنا زيد من مدينة ثلثها شهيد، نصفها نازح، وأصبحت منكوبة. تقع محافظة نينوى شمال العراق، ومركزها الموصل، التي تعد ثاني أكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد. مدينة بين ضفتي دجلة، بجانبين أيمن وأيسر تضم خليطا من المجتمع العراقي العريق، من عرب وكرد وتركمان وشبك ومسلمين ومسيحيين وإيزيدين، يسكنها حوالي 2 مليون ونصف نسمة، يمتاز أهلها (باللهجة المصلاوية).

مدينة أشور والنمرود، مدينة الأنبياء والأولياء والصالحين، مدينة العلم والثقافة، مدينة المساجد والمعابد والكنائس. أبرز معالمها ضريح النبي يونس عليه السلام، وجامع النوري الكبير، ومنارة الحدباء العريقة الشهيرة، والتي أصبحت اسما دالا على مدينة الموصل (الحدباء).

وتوجد فيها كنيسة الساعة: أشهر كنائس المدينة، كما تضم متحف الموصل الأثري الذي يعد ثاني أهم متحف في العراق بعد المتحف العراقي في بغداد، كما تضم قلعة باشطابيا والثور المجنح والعديد من التراث والحضارة العريقة.

ليلة 10 يونيو 2014 بيعت الموصل بأبخس الأثمان

بعد انسحاب الجيش العراقي بأمر من رئيس الوزراء في ذاك الوقت، نوري المالكي، دخل أهل الرايات والقلوب السوداء (داعش) واحتلوا مدينة بأكملها في ساعات! أصبحت المدينة في حالة فوضى، ولا أحد يعلم ما جرى وما يجري، وماذا سيجري بعد هذا؟ ثلاث سنوات عاشت المدينة تحت احتلال استعبد البشر، ودمر الحجر، وقتل الإنسان والوطن، تهجير، تنكيل، تشريد، تعذيب، حبس، عقاب، إعدام، وقتل بأي ذنب كان، واغتصاب للحق قبل الأرض.

مرت الأيام والسنتان، والمدينة في ضياع كل الحقوق مسلوبة، أما البشر هناك فكانوا تحت رحمة من لايرحم، ليسوا مغولا، ولا تتار، ولا بربر، باختصار: هم داعش، أكثر تنظيم وحشي إرهابي مجرم على مر التاريخ.

17 أكتوبر 2016 كنا في حالة هستيرية من سماع الأخبار، واليوم وغدا تنطلق عملية تحرير المدينة، ولا أحد يعرف متى! الموقف على أرض الواقع مأساوي للحد الميؤس منه. بعد الثانية عشر صباحا كان الليل في أوله يوم 17 من الشهر العاشر 2016، بقيت مستيقظا، وأنا أستمع إلى الراديو، ورئيس الوزراء العراقي (حيدر العبادي) يقول: أعلن ابتداء عملية تحرير الموصل، وهنا سجدت شكرا لله، ولم أنم تلك الليلة من شدة فرحي حتى الصباح، كنت على يقين أن في آخر النفق ضوء وأملا.

أصبحنا نسمع أصوات الطائرات تحلق بكثافة، ولكن مدينة مثل الموصل قلب محافظة نينوى في شمال العراق تضم 8 أقضية، و28 ناحيةأ حتى الوصول لقلب ومركز المدينةأ باختصار: كل شي حصل لم يكن بتلك السهولة، وابتداء التحرير قضاء بعد قضاء، ثم ناحية بعد أخرى مع ازدياد واقتراب سماع أصوات الطائرات والدبابات والمدافع، واقتربت معركة الموصل، ودقت طبول الحرب في المدينة، عم الهدوء والترقب والتوجس والانتظار يوم دخل الجيش العراقي مركز مدينة الموصل بساحلها اأيسر، في الخارج وحوش الظلام يستعدون للقتال ضد الجيش العراقي، في الداخل أطفال، نساء، وشيوخ أبرياء، جوع، خوف، قلق، ترقب، وقتال بين جيشين، كانت حرب شوارع قاسية مؤلمة صعبة.

استمرت معركة تحرير الجانب اأيسر من الموصل قرابة الأربعة أشهر في ظروف قاسية صعبة نجا فيها من نجا، ومات من مات، وهرب من هول الحرب المجنونة من هرب، وصل الجيش العراقي وقوات مكافحة اﻹرهاب ضفة نهر دجلة هناك حيث المعركة الأشد والأصعب، كان لكثافة السكان وجغرافية، وتضاريس الجانب الأيمن من الموصل دور مهم وملحوظ في كيفية سير المعركة، حصار، طائرات في السماء تقصف ومدافع في الأرض تدك حصون الأعداء قتال وحرب شوارع بين جيشين، وأهلي محاصرون لم يختلف الأمر كثيرا في عمليات تحرير أيمن الموصل عن أيسرها إلا بشدته وقسوته وضراوته.

لا أبالغ إن قلت كانت أشرس وأعنف حرب في التاريخ الحديث.. انتهت المعركة بعد 9 أشهر من القتال والحرب المجنونة بواقع 196 يوما، وبعد كل عتمة صبح وبعد كل ظلمة نور وبعد العسر يسر وبعد الضيق فرج شاء الله وتحررت المدينة، بعد ظلم واضطهاد وجور وتجبر لثلاث سنوات بجهود الجيش العراقي والقوات الخاصة (مكافحة اﻹرهاب)، وباقي تصنيفات القوات الأمنية العراقية البطلة والحمد لله على نصره. ويبقى ما عاشته الموصل وأهلها في تلك الأيام أقسى وأمر من كلام يقرأ بين سطور.

ويبقى السؤال من باع ومن سلم ومن كان الضحية؟ ويبقى السؤال هل الرئيس الأمريكي أوباما يعلم الغيب يوم قال نحتاج ثلاث سنوات لنقضي على داعش في العراق؟ هل داعش مسرحية؟ هل كانت حقيقة أم خيالا؟ لا نعلم من باع الوطن، ولكن نعلم من دفع الثمن.

كان الثمن دماء أناس أبرياء 40.000 شهيد مدني موصلي لا دخل لهم بشيء غير أنهم من أهل المدينة، كان الثمن مدينة شبه مدمرة بجانبيها الأيسر والأيمن، كان الثمن ضياع تراث وحضارة وعراقة مدينة يمتد تاريخها لـ1800 قبل الميلاد.

الظلم مادة اﻹرهاب! والعدل أساس الملك. يا أهلي قدسوا الحرية، حتى لا يحكمكم الطغاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق, حرب, موصل
عرض التعليقات
تحميل المزيد