تعتبر مدينة الموصل ثاني أكبر المدن العراقية سكانًا، بعد العاصمة بغداد. تقع بالقرب من إقليم كردستان على بعد 350 كيلومترًا شمال العاصمة، وعلى بعد كيلومترات من مدينة بعشيقة وتلعفر، يسكنها حوالي مليون ونصف مليون شخص، تقطنها أغلبية سنية. وهي عاصمة محافظة نينوى.

شهدت هذه المدينة عدة احتجاجات مطالبة بالخروج الكامل لقوات الاحتلال الأمريكي من العراق، واستقالة حكومة أنور المالكي سنة 2011.

استولى تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة الموصل عام 2014، وأصبح أكبر معقل لهم، بعد أن استولى التنظيم على مطار الموصل، وعلى قواعد عسكرية. فشهدت المدينة موجة نزوح كبيرة، نتيجة المعارك التي قادها الجيش العراقي ضد التنظيم. كما تعرضت هذه المدينة لعمليات التطهير الديموغرافي، وتعرضت الأقليات الشيعية والمسيحية والتركمانية الموجودة في المدينة لتطهير عرقي من طرف داعش، كما تم هدم الكثير من الأضرحة والأماكن التاريخية والمقدسة.

في السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول)، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي انطلاق معركة استعادة الموصل من بين قبضة تنظيم الدولية الإسلامية. وتخوض القوات العراقية، مدعومة من الفصائل السنية والشيعية، بإسناد جوي لقوات التحالف الدولي؛ معركة كبرى لاستعادة المدينة.

تشارك حوالي سبعة تشكيلات نظامية وغير نظامية في العملية، متمثلة في: القوات النظامية العراقية، الحشد الوطني السني، قوات الحشد الشعبي الشيعي، حزب العمال الكردستاني، الجنود الأتراك، قوات التحالف الدولي.

تتكون القوات المشاركة في هذه المعركة من حوالي 40 ألف جندي مشارك، تتقدمها قوات الجيش العراقي بحولي 30 ألف جندي، تليها قوات البشمركة بحولي 4 آلاف جندي، والحشد الوطني السني بحوالي 4 آلاف مقاتل، إضافة إلى 1500 مقاتل من الحشد الشعبي، و2000 جندي تركي، إلى جانب مشاركة أكثر من 60 دولة في تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة. وتواجه هذه القوات حوالي 9 آلاف مقاتل لتنظيم الدولة الإسلامية، يتمركزون في الموصل، ويحتجزون الآلاف من المدنيين دروعًا بشرية.

بعد بدء معركة استعادة الموصل ظهر توتر حاد بين الفصائل المشاركة، والدول الإقليمية كتركيا وإيران، حيث وصل التوتر بينهما إلى حد استدعاء السفراء للاحتجاج على تصريحات الحكومتين، رغم كل المصالح الاقتصادية التي تجمع أنقرة بطهران. ويعود مصدر كل هذه الخلافات إلى سعي كل منهما إلى المشاركة في هذه الحرب، عبر تحريك حلفائهما في العراق، لجني مكاسب إقليمية داخل العراق أو في كامل المنطقة، غداة الخروج بانتصار من عملية استعادة الموصل.

تختلف الأهداف والغايات بين الأطراف المشاركة إما داخل العراق، أو بين القوى الإقليمية كتركيا وإيران، أو حتى بين القوى الدولية كروسيا والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي تسعى فيه الأطراف المحلية في الحرب المتمثلة في الميليشيات السنية، والحشد الشعبي، وقوات البشمركة؛ إلى بسط السيطرة على مدينة الموصل بعد الانتهاء من العملية، وكذا السيطرة على منابع النفط الموجودة في محافظة نينوى.

تتنافس كل من تركيا وإيران في هذه الحملة العسكرية على مدينة الموصل، لعلمهما المسبق بأن استيلاء طرف واحد على هذه المدينة سيغير من شكل الخريطة السياسية للعراق، وللمنطقة ككل. بل سيؤثر حتى على الأمن القومي التركي والإيراني، كما أن معركة استعادة الموصل ستتداخل مع معارك أخرى لاستعادة حلب والرقة بسوريا. ما يجعل من معركة استعادة الموصل أداة للعب أدوار إقليمية، في كل من العراق وسوريا.

فإيران من جانبها تسعى للسيطرة على الموصل لتكون ممرًا إستراتيجيًّا إلى سوريا، ومنها إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ما تراه تركيا خطرًا على مكانتها الإقليمية، وعلى مشاريعها الكبرى لتصدير وتسويق النفط والغاز إلى أوروبا.

كما تعتبر عملية استعادة الموصل نقطة مهمة في المعادلة العسكرية القادمة في حلب السورية، ووسيلة ضغط في المعادلة السياسية السورية، والشرق أوسطية. فإيران تسعى جاهدة لتطويق مقاتلي التنظيم الإرهابي المتواجدين بالموصل، والقضاء عليهم، وقطع الطريق أمامهم كي لا يلتحقوا بمدينة حلب، التي تتقدم فيها القوات الحكومية، مدعومة من إيران وحزب الله وروسيا. ولتحقيق ذلك تسعى إيران للسيطرة على مدينة تلعفر، باعتبارها الرابط على الطريق الإستراتيجي بين الموصل وسوريا.

إن الاختلافات والصراعات الموجودة بين الأطراف المشاركة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وسعي كل طرف لتحقيق أهداف ضيقة على حساب أطراف أخرى، سيصعب من مهمة الجيش العراقي لاستعادة الموصل، ما يمهد لاستمرار الحرب لمدة زمنية طويلة، واندلاع حرب طائفية ستعصف بالمنطقة ككل. ما سيؤثر سلبًا على الحرب في سوريا، وكذا على الأمن والاستقرار في العراق وسوريا، وعلى الأمن القومي التركي والإيراني.

إن مشاركة هذه الأطراف المتصادمة في صف واحد، واختلافها حول الأهداف بعد استعادة المدينة، سيجعل من الانتصار العسكري القريب على تنظيم الدولة الإسلامية خسارة إستراتيجية لبعض الأطراف، ما سيؤثر على هذا التحالف، وتتحول هذه الحرب إلى حرب داخلية بين الطوائف حول الغنائم، وحربًا إقليمية بالوكالة بين تركيا وإيران، ما قد يصعب أكثر من المأمورية أمام التنظيم الإرهابي، وتصبح الموصل مسرحًا للتقاتل المذهبي والطائفي، وفرصة أمام القوى الكبرى لاستكمال مشروع تفكيك وتقسيم المنطقة، ويبقى الخاسر الوحيد هو وحدة العراق المهددة في المقام الأول، وأمن تركيا وإيران التي قد يجرها هذا الصدام إلى حرب طويلة الأمد، كاستدراج غربي مدروس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد