هل أتاكم نبأ أهل الموصل؟ إنهم تحت أنقاض منازلهم أحياء يدفنون، وأطفالهم من الأوجاع يئنون، ونساؤهم لفقد الأبناء يصرخن، وسكانِها عنها يفرون، من الموت يهربون، وإلى المجهول ينزحون، ومن هول الصدمة ترى أكثرهم صامتين.

جحيم حرب الموصل لا يمكن وصفه بجرة قلم لحالم يظن أنهُ سيروي قصة ألم، فمعاجم حروف العالم كله عجزت في أن تواسي بكاء طفل وجد نفسه محاصرًا بين الركام بلا مغيث ينقذه، حتى لفظ أنفاسه التي ضاقت بحجارة اتخذت من صدره الغض مستقرًا لها.

صحف بريطانية كـ«الأوبزرفر والغارديان والتايمز» وصفت الحرب في الموصل وغارات التحالف الدولي على المدينة بأنها الأسوأ والأكثر دموية منذ احتلال العراق، وأن أنين البشر يسمع من تحت الصخر.

يتحمل رئيس الوزراء حيدر العبادي المسؤولية القانونية والأخلاقية حول كل ما جرى في الموصل من مجازر بعد أن أذعن لأوامر التحالف الرباعي «روسيا– إيران– سوريا»، وبموافقه أمريكية وأوربية بوجوب غلق أي ممرات لخروج مسلحي تنظيم الدولة من الموصل وتصفيتهم هناك بأي ثمن كان؛ لمنعهم من العودة لبلدانهم، ويأتي هذا بالتزامن مع دعوته لأهالي الموصل بالبقاء في منازلهم وعدم النزوح من المدينة، بعد أن وعدهم بمعركة نظيفة، ليتبين أنها أقذر معركة شهدها التاريخ بحسب تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، التي رصدت فيه استخدام ميليشيا الحشد لأسلحة عشوائية ذات قدرات تدميرية هائلة.

مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية: معركة الموصل فاشلة بامتياز

لم يكن صدفة أن تترك مدينة الموصل لنحو عامين ونصف تحت سيطرة داعش، استقطب خلالها آلاف المتشددين من مختلف أنحاء العالم؛ لتكون نينوى مهدًا لتصفية الحسابات، فركن العبادي واقترح وجوب اعتماد خطة «حدوة الحصان» يترك خلالها ممرًا يفر منه عناصر التنظيم، لتجنيب المدينة وأهلها شر الحرب ومآسيها، ولكن بدلًا من ذلك، فقد توعد وبعد ساعات من لقاء جمعه بالرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بأن يجعل من الموصل مقبرة لمسلحي تنظيم الدولة، فما كان من هؤلاء إلا أن يقاتلوا بشراسة أو يقتلوا فلا خيار آخر لهم، حتى وصفت خطة معركة الموصل بالفاشلة بامتياز، كما جاء في تحقيق لمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، والتي أكدت أنها استندت على خطة استراتيجية متصدعة، وعلى فرضية خاطئة؛ وهي أن داعش سيضعف بعد سلسلة من الهزائم في العراق وسوريا.

رئيس الوزراء حيدر العبادي عدل من خطة المعركة جراء الخسائر العسكرية التي لحقت بقواته بسبب تكتيكات داعش، حيث لجأ لتكثيف عمليات القصف المدفعي والصاروخي بدلًا من الزج بقواته في اشتباكات مباشرة، فهو يبحث عن نصر سريع قبل اقتراب موعد إجراء انتخابات مجالس المحافظات العراقية في شهر أيلول/ سبتمبر القادم، من أجل ضمان انتفاء الحاجة والمبررات لوجود ميليشيا الحشد التي بلغ عددها أكثر من مائة ألف عنصر، فاستمرار دعم واشنطن ودول أوربية للعبادي اشترط فيه حل هذه التشكيلات التي باتت شبه دولة داخل دولة، والتي لمح قادة فيها إلى إمكانية اشتراكهم في العملية السياسية كثمن لما أسموه بالتضحيات التي قدموها في المعارك، وبلا شك وكما يرى مراقبون، فإنها إن اشتركت فسوف تكتسح مقاعد البرلمان، وستفسح المجال لعودة قوية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، خاصة وأنه يضمن ولاء الحشد لكونه عرابها الأول وساقي بذرتها.

اليوم التالي لانتهاء معركة الموصل سيكون قنبلة موقوتة

ورغم حجم الكارثة الإنسانية التي صاحبت حرب الموصل، إلا أن الأسوأ لم يأتِ بعد، وبحسب مقال نشر في صحيفة إسرائيلية للكاتب «يعقوب عميدرور» وصف فيه اليوم التالي لانتهاء المعركة بـ«قنبلة موقوتة»، وأنه سيكون مخيفـًا؛ حيث ستفتح بوابة جهنم، مستدلًا بذلك أن المصالح المتناقضة للأطراف المشتركة في المعركة ستتحول لشلال دماء، حيث يرى الكاتب أن جميع مشكلات الشرق الأوسط تقريبًا تنضوي تحت معارك استعادة الموصل في العراق، معتبرًا أنه من الصعب إيجاد التقاء في العلاقات والقوى في مكان واحد بشكل يعبر عن منطقة بأسرها، لكن هذا هو الوضع في المدينة المهدمة، كما توقع «عميدرور» أن تقوم كل مجموعة ببذل الجهود لتحقيق أهدافها على حساب المجموعات الأخرى.

الكاتب رأى أيضًا أن تحديًا كبيرًا سينشأ إذا سيطر الشيعة على المدينة، وفرص ذلك كثيرة، حيث سيحدث ذبح كبير أو طرد للسكان السنة في المدينة؛ لأن الموصل بالنسبة لإيران هي مدينة المفتاح، فإذا نجحت في تطهيرها من السنة، فسيُمكنها ذلك من التوجه نحو الغرب، بدءًا من جنوب تركيا ونحو شمال سوريا وصولًا للبحر المتوسط والالتقاء مع العلويين في اللاذقية والشيعة من حزب الله في لبنان، وهكذا سيتم استكمال ما سمي بـ«الهلال الشيعي»؛ وهو الممر الإيراني الذي سيقطع العالم العربي من طهران إلى بغداد ومن دمشق إلى بيروت.

رؤية بريطانية سوداوية لمرحلة ما بعد داعش في الموصل

مجلة «الأسبكتاتور» البريطانية وعبر مقال للكاتب الأمريكي «سيث جيه فرانتزمان»، رصدت بدورها صراعًا في الطريق إلى الموصل لن يكون تنظيم داعش أحد أطرافه، وإنما أطرافه هي قوى الائتلاف «العراقي» المقاتل ضد داعش، في سباق مشابه للسباق على برلين عام 1945 بين السوفييت «سابقًا» والغرب، كما وأوضح «فرانتزمان» أن تمركز القوات في هذه الساحة الأخيرة سيسهم في إعادة رسم الحدود شمال العراق حيث الكورد والشيعة والعرب السُنة، فضلًا عن الأقليات المتنوعة التي تبحث جميعها عن مكان لها.

ملامح الصراع كانت واضحة بوادرها، فصدامات مسلحة عدة حدثت في نقاط التماس بين فصائل من الحشد والبيشمركة في قضاء «طوزخرماتو» شمالي محافظة صلاح الدين، كما حدثت مواجهات عنيفة قرب ناحية «سنوني» بسنجار غرب الموصل بين ميليشيا «روج أفا» من أكراد سوريا والمدعومة من رئيس إدارة كردستان «مسعود البرزاني»، وبين ميليشيا وحدات حماية سنجار التابعة لحزب العمال الكردستاني، والمقرب من حزب الاتحاد برئاسة «جلال الطلباني»، فيما تعد هذه الصدامات كمخاض لمرحلة مقبلة قد يولد عنها دولة كردية نوه عنها مسعود البارزاني خلال لقائه بالأمين العام للأمم المتحدة «أنتونيو غوتيريس» بتاريخ 30/3/2017، والذي أكد له أن الاستفتاء على الانفصال من العراق سيجري خلال مستقبل قريب، فتجربة عراق ديمقراطي جامع للكل بعد عام 2003 قد فشلت بحسب وصف «نيجرفان البرزاني» رئيس حكومة كردستان في أربيل.

أمريكا بقيادة رجل الأعمال «دونالد ترامب» لن يسوؤها اليوم رؤية عراق مقسم أو ذي أقاليم عدة، فما يهمها هو البدء بمشروع النفط مقابل الإعمار، ولربما عقد صفقات مع جهات وحكومات عدة ستكون أكثر ربحًا من الاتفاق مع حكومة مركزية واحدة، وكلما زاد الدمار في العراق الذي يرافق العمليات العسكرية ضد داعش، كلما زادت فرص الأعمال لشركات أمريكية ستستأثر بثروات العراق المنهوبة أصلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد