بالأمس شاهدت فيلم «موصل» الذي كان من المفترض أن يتحدث عن مدينة «الموصل»، تلك المدينة العراقية المنكوبة التي خاضت حرب تحرير ضد تنظيم داعش الإرهابي خلال عامي 2016 و2017. جاهدت نفسي على إكمال فيلم أقل ما يقال عنه «ممل» و«ركيك».

الفيلم أنتج عام 2019 بيد أن «نتفليكس» بدأت بعرضه على منصتها قبل أيام بعد حملة إعلانات مهولة سبقت عرض الفيلم، كثير من المنصات العراقية روجت للفيلم على اعتبار أنه كما قيل باللهجة العراقية ويمثل مدينة عراقية دُمرت ببشرها وحجرها طوال سنين عجاف مضت، فهل كان الفيلم كذلك؟

على ما يبدو أن ما كان متوقعًا لم يحصل، فالفيلم إنتاجيًّا ضعيف لا يرقى إلى مستوى إنتاجات «نتفليكس» المشهورة بضخامة إنتاجها، أما السيناريو فإنه هش وغير مترابط يجعلك تتساءل كثيرًا هل يكتب هذا النص من كتب Dark Waters أو World War Z؟

أغلب الشخصيات في الفيلم مهزوزة ركيكة لم تؤد دورها كما لو كانت حقًّا في مدينة الموصل، ضعيفة في مشاهد الدراما والتعامل مع الأحداث، وهذا بالضد تمامًا من شخصية العراقي المعروف بـ«أبو الغيرة» لحرارة دمه وكأنه يفور كما يفور البركان في تعامله مع ما يحدث من حوله. الرائد جاسم كان منفردًا وحيدًا في قوة شخصيته القريبة كثيرًا للرجل العراقي، إلا أن النص لم يكن له عونًا ليطلق العنان لشخصيته التي اتسمت بالعنف والطيبة في آنٍ واحد.

عدا اسم الفيلم لا نشاهد أي شيء عراقي آخر، الرائد جاسم كان الوحيد الذي يتكلم اللهجة العراقية ولم تكن كاللغة الأم، تصوير الفيلم كان في المغرب، بل حتى الأذان الذي كان يقرأ في الربع الأول من الفيلم لم يكن عراقيًّا.

بدلًا من أن يأخذنا الفيلم في أروقة المدينة العريقة التي صارت حطامًا ويعرض لنا أسباب ذلك وكيف تحررت بعدها من شبح الإرهاب، ندور في دوامة صراع بين فريق سوات نينوى الذي لا ينتهي ولا يفضي إلى شيء سوى الشعور بالملل. هل ما حدث في الموصل طوال تلك السنوات يتلخص في صراع بين أفراد قوات سوات الحكومية؟!

كاوا الشخصية الثانية في الفيلم الذي أصبح بديلًا عن الجمهور، الساعي إلى معرفة ما حدث وما يحدث من حوله إلا أن المشكلة الأخرى هي أن كاوا مثلنا، يبقى في الظلام إلى حد كبير بشأن المهمة من قبل الفريق وفي معظم التفاصيل الاخرى، لذلك بوصفي مشاهدًا من المحتمل أن تكون مرتبكًا في بعض الأحيان بشأن ما يحدث مثلك مثل كاوا.

للفيلم رسائل سياسية لا يفهمها المشاهد العربي أو الأجنبي غير المطلع على أحداث العراق عن قرب. أما من يعرف بالشأن العراقي فلن يمر عليه مشهد الأموال بالليرة التركية والدولار واليورو المسروقة من عناصر داعش الإرهابيين. وسيعيد المشهد الذي جمع الفريق بمجموعة من الحشد الشعبي يترأسهم قائد إيراني قال عندما أعطوه كرتونة من السجائر لكل فرد منهم مقابل السلاح: «احنا مو كلنا متساوين».

ختام الفيلم الذي لاقى نقدًا عراقيًّا شديدًا بعد أيام من عرضه فقط، كان مسكًا بالنسبة لي برمزية المشهد التي تعود إلى لوحة الرسام الألماني هانز أدولف إبان الحرب العالمية الثانية بعنوان «العودة للديار»؛ إذ نرى في اللوحة حبيبين فقط جنديًّا بلباس الحرب ألقى بنفسه على رُكبتَي حبيبته، وفي دعة ينعم بلمسات الأمومة الرحيمة، وهي تربت على رأسه، هي السكن والدار والمنتهى.

وعلى ما يبدو أن الفيلم الذي يكون مخرجه وكاتبه لا ينحدران من المنطقة التي تركز عليها هذه الأفلام فمن الصعب جدًّا أن يصنعا نصًّا أو صورة تعكس الواقع المر الذي عاناه أبناء تلك المنطقة وإنه لأمر محزن أن تكتب عن مدينة الموصل المنكوبة قصص كهذه لا تعكس حقيقة ما جرى ويجري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد