مُقدِّمـة

تميّزت الثورة المصريّة – على عكس الثورات الكلاسيكيّة – ببنيتها الأفقيّة المفتقدة للقيادة، وتكوينها غير مُحددة المعالم أو الهويّة أوالتوجّه. فبينما تميّزت غالبية الثورات في التاريخ الحديث بوجود كتلة مهيّمنة مُضادّة تقوم على إزاحة النظام القائم، وإحلال نظام جديد محلّه على كل الأصعدة؛ كانت الثورة المصريّة ثورة لا مركزيّة، ولا مؤسسيّة، ولا بنيويّة، ولا نخبة ثقافيّة تُحرّكها.[1] بالتالي لم تكن النخبة المثقفّة تمثِّل قيادة معنوّيةٍ، أو فاعلًا سياسيًا وحيدًا أثناء الثورة؛ وإنما قامت بدورٍ – كعنصر من عناصر المجتمع – إلى جانب باقي الأدوار التي تفاعلت في سياق الثورة لعناصر ومكوّنات المجتمع الأخرى. لا ينفي هذا كون بعض المثقفين قد لعبوا دورًا مهمًا في تفعيل وشحن حالة الثورة على مدار عقود القهر للنظام العسكري منذ جمهوريّة يوليو. غير أن اهتمامنا سينصّب على علاقة المثقف بلحظة الثورة وحقلها التفاعليّ.

نحاول في هذه الورقة أن نتتبّع الدور الذي قامت بهِ النخبّة المثقفة – باعتبارها أحد العناصر المتفاعلّة في بوتقة الثورة – في علاقتهِا بكلٍ من: السلطة/ النظام الحاكم، الجمهور/ شباب الثورة، وفكرة الثورة باعتبارها نقطةٍ أساسيّة للتحوّل الديمقراطي بعد سيادة النظم القمعيّة المتوالية على المجتمع المصري لعقودٍ طويلة.

اعتادت أدبيات المثقف أن تصفه وتحدد دوره تاريخيًا من حيث هو المتخصص في مجالٍ علميّ معيّن والذي يخرج من حقل تخصصه إلى المجال العام بموقفٍ محدد في قضيّة عامّة اعتمادًا على تحليل علميّ وموقفٍ معرفيّ.[2] فهو عند إدوارد سعيد (Edward Said (1935-2003 على سبيل المثال يمثّل صوت من لا صوت لهم، ويجسّد قيمهم ويتمسّك بها من دون مساومةٍ أو تفريط.[3] وعند جوليان بندا Julien Benda  (1867-1956) فإن قيم الحق والحرية والعدالة والمساواة هي القائد الأساسي والملهم للمثقف.[4]

غير أننا نودُ أن نفرّق بين نوعين من المثقفين في دراستنا هذه. النوع الأول هو المثقف غير المشارك في الثورة بدورٍ فعّالٍ على أرض الواقع، أو الذي اكتفى بالمعركة على الساحة الفكريّة فكتب ونظّر وألهم الحركات الديمقراطيّة المختلفة، دون أن يشارك في الثورة المشتعلة على أرض الواقع، بل تحدد دورهُ بالمستوى التثقيفي والتوجيهي والتحليليّ. النوع الثاني – والذي تتناوله هذه الدراسة وتركّز عليه – هو المثقف الذي شارك على أرض الواقع بدورٍ ما، واشتبك مع أطرافٍ أخرى من أجل هدفٍ معيّن. ويقع في إطار النوع الثاني النخب الثقافيّة والأحزاب السياسيّة التي حددت موقفها منذ الأيام الأولى للثورة، وأعلنت بياناتٍ ما، وأنحازت لجهةٍ على حساب جهة، أو مارست دورًا ثوريًا أو سياسيًّا على أرض الواقع. والنوع الثاني هذا يقترب من مفهوم المثقف العضوي كما طرحه أنطونيو جرامشي أي المثقف الحزبيّ أو الذي ينتمي لمؤسسةٍ ما ويسعى نحو أهدافٍ مُحددة يفترض أنها تنطلق من إيمانهِ بدورٍ ما، ورؤية محددّة. وتعليلُ ذلك أننا ما دمنا نرمي إلى فهم دور المثقف أثناء الثورة، والنظر في النموذج المعرفيّ الذي تحرّك في إهابهِ، يصيرُ النوع الثاني من المثقفين أقرب لهدف البحث المعرفيّ، ومُحددًا أكثر للإطار البحثيّ.

نبدأُ إذن من بحث الدور الحقيقيّ الذي لعبته النخب المثقفة والأحزاب السياسية خلال الثورة؛ ومدى اقترابهِ أو ابتعادهِ عن الدور المفترض للمثقف – وفقًا للفهم التاريخي لدور المثقف الذي عرضناه – ولنموذج المثقف الذي طرحتهُ غالبية الأدبيات الغربية، والتي ذكرنا منها سعيد وجرامشي وبندا على سبيل المثال لا الحصر. وكذلك النظر فيما إذا كان ثمّة نموذجٍ آخر تحرّك المثقف في إطارهِ؟ وما هو إذن هذا النموذج؛ وما طبيعة سياقاته التاريخيّة في تشابهها أو اختلافها مع السياق الاجتماعي والثقافي المصري.

في علاقة النخبة المثقفة بالثورة وشبابها

ثمّة انفصالٍ كبيرٍ حدث قبل أيام الثورةِ الأولى بين حركة الشباب الداعية إلى بدء التظاهرت في 25 يناير واستلهام الثورة التونسية التي أزاحت رأس النظام التونسيّ قبل أيامٍ قليلة، وبين قيادات الأحزاب السياسيّة والمثقفين التي انشغلت – منذ شيوع هروب الرئيس التونسيّ – في التأكيد على اختلاف مصر عن تونس.[5] إذ انتشرت مقالات الرأي في الصحف المختلفة عاجزةً تمامًا عن التنبؤ بما يمكن أن يحدث في الأيام التالية؛ غافلةً عن كم الحشد الذي يقوده الشباب على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وعاجزةً كذلك عن فهم الغضب الذي يقود الشارع بفئاتهِ المختلفة نحو الثورة والغليان.[6]
وبالرغم من اعتماد بعض المثقفين على بعض أدوات التحليل العلمية في التأكيد على آرائهم القائلة بصعوبة انتقال الثورة من تونس إلى مصر، مثل عمرو الشوبكي (1962) الذي اعتمد على اختلاف التركيبة المجتمعية من حيث الثقافة والأميّة في المجتمع المصري عنها في المجتمع التونسيّ، وعمرو حمزاوي (1967)الذي أكّد على ضمور الطبقة الوسطى في مصر مقارنةً بتونس؛ إلا أن غالبية المثقفين بدوا بعيدين تمامًا عن المجتمع الذي يعيشون فيهِ. كذلك نُلاحظ أن مثل الأسماء وغيرها ممن أكّدوا على عدم احتمالية انتقال الثورة من تونس إلى مصر، هي ذاتها الأسماء التي انتخبت في مجلس الشعب المنحل بعد الثورة، وبرزت أسماؤهم في المرحلة الانتقاليّة باعتبارهم وسطاء للحوار بين الثورة وشبابها، وبين المجلس العسكريّ الذي تقلّد مقاليد السلطة بعد رحيل مبارك مباشرةً. وهي مفارقة مدهشّة أن تبزغ هذه الأسماء بالرغم من أنهم لم يبدأوا الثورة، ولا هم قادوها وألهموها، بل وفشلوا في التنبؤ بها، في لحظةٍ مهمّة من عملية التغيير.
في ذات الوقت الذي كان جيلٌ جديد من الشباب الثوري يُعلن عن نفسهِ ويرتبط بشراكات وتحالفات بعيدًا عن قياداتهِ الحزبية، وممثِّلا جوهر العملية الثورية التي قادت الشارع المصري إلى الإطاحة بمبارك واستطاعت التواصل مع حالة التذمّر عند فئات واسعةٍ من المجتمع؛ كانت القوى السياسية والثقافيّة لا تزال تمارس دورها الواهن الذي اعتادته طوال عقودٍ كثيرة؛ إذ أعلنت بعض الأحزاب السياسيّة، ليلة 25 يناير، مشاركتها في الدعوة التي أطلقها الشباب بـ«وقفة رمزيّة» أمام دار القضاء العالي للمطالبة بإنهاء حالة الطوارئ (منها حركة كفاية، وحزب الاشتراكيين الثوريين، والجمعية الوطنية للتغيير، وغيرها)، في مقابل مجموعةٍ أخرى من القوى والأحزاب السياسيّة التي أعلنت مقاطعتها لهذه الوقفة الاحتجاجيّة واصفةً إياها بالمعارضة الغوغائيّة (ومنها أحزاب الأحرار، والعدالة الاجتماعية، والتيار السلفي وغيرهم).[7]
كان الشباب إذن على وعي كبير بأهميّة التواصل مع المجتمع وفئاتهِ المختلفة للإطاحة بالنظام القمعيّ الحاكم الذي استمدّت منه الأحزاب شرعيّتها، والتي لم تنضم للثورة إلا بعد أن بدت نتائجها ظاهرةً للعيان. ففي أول تظاهرةٍ تنطلق في صباح يوم 25 يناير، وهي تظاهرة ناهيا، كان أول هُتافٍ يُطلق فيها، وأول هتافٍ تطلقه الثورة المصرية بالتالي، كان «يا أهالينا انضموا لينا، عايزين نخلص من بلاوينا»،[8] وهي دعوةٍ واعيةٍ للتواصل والتلاحم مع عموم الشعب، الذي تجمعهم بهِ معاناةً واحدة، وحُلمٍ واحد.

بعد يومين من بداية الثورة وصل محمد البرادعي (1942) قادمًا من الخارج للمشاركة في جمعة الغضب التي حضّر لها وأعلن عنها شباب الثورة، في حين «طوى الصمت مواقف باقي النخبة السياسية التي لم تستوعب ما يجري».[9] وبالرغم من أن البرادعي قد شارك في جانبٍ من تفعيل حالة الغضب قبل الثورة عبر تأسيسه الجمعيّة الوطنية للتغير قبل أن ينفصل عنها ويسافر للخارج مجددًا؛ إلا أن وصولهُ في هذه اللحظة يمثّل حالة للمثقف المنفصل عن الشارع المصري والمؤمن بمجموعة من القيم والمبادئ الليبرالية والديمقراطية التي يسعى إلى تطبيقها في السياق المصري لإحداث حالة من الرفض دون أن يكون على وعيٍ واتصالٍ بنبض الشارع الحقيقيّ ومعاناته، خاصّة مع قبوله بنائب الرئيس – الذي عيّنه مبارك – لإدارة المرحلة الانتقالية،[10] الأمر الذي كان بعيدًا جدًا عن مطالب الثوّار أصحاب المعركة الحقيقيّة.

استطاعت التظاهرات التي بدأت منذ اليوم الأول للثورة أن تفعّل حالة من العنف العفويّ المضاد لعنف الشرطة القمعيّ الذي يستخدم الرصاص المطاطيّ والحيّ والقنابل المسيلة للدموع، بل وتكسر عنف الشرطة وتفرض عليها الاستسلام لها وتسليم أسلحتها، ووصلت إلى حد فرار الشرطة أمام المتظاهرين. إذ مثّلت تظاهرة شُبرا البداية الحقيقيّة للمواجهة العنيفة ضد أدوات القمع العسكريّ لأفشال الثورة، مرورًا بتظاهرات جمعة الغضب وموقعة الجمل.[11]

كان الشباب الثائر إذن على وعي كبير بأهميّة استخدام العنف المضاد لفرض مطالبهم المتمثِّلة في إسقاط النظام، ولم يرغب أو يدعو أو يقبل بأيّ حوارٍ مع النظام أو احد أدواتهِ، فقد تمثّلت أهم المطالب التي عبّر عنها الشباب في المطالبة بتأليف حكومة إنقاذ وطني من أجل تسليم السلطة إلى المتظاهرين.[12] وهو المطلب الذي ينطلق من رؤية الثوار لأنفسهم بوصفهم بديلًا طبيعيًّا للنظام السائد، يسعى إلى استئصالهِ وتجاوزه والحلول – مع باقي فئات المجتمع – مكانه. الأمر الذي بدا ملحوظًا مع إعلان البرلمان الموازي قبل أيامٍ من بداية الثورة، وظلّ مستمرًا مع ميلاد جمهورية التحرير – كما يصفها بشارة –[13] التي تمّ فيها تعارف جميع القوى الوطنيّة من جديد ابتداءًا من الشباب الثائر – الذي انفصل تمامًا عن قياداتهِ الحزبية والإخوانية وتفاعل مع الشارع خارج الإطار التنظيمي الحزبيّ بصورة واضحة ومقصودة-[14] ومرورًا بجماعة الإخوان المسلمين التي بدأت تتنفس أول نسمات الشرعيّة، وكذلك بعض القوى السياسيّة المختلفة وبعض المثقفين والفنانين.

إننا نذهب إلى الظنّ بأنّ روح التحرير التي ظلّت فاعلاً سياسيًا طوال أكثر من عامٍ كاملٍ بعد ميلاد الثورة، كانت قادرةً على صهر القوى الثقافيّة والسياسيّة، وتثوير التركيبة الاجتماعية المنقسمة إلى طبقة صغيرة حاكمة صاحبة رأسمالٍ ونفوذ، وإلى طبقةٍ عريضة من الشعب الذي يرسف تحت الفقر والقمع والحاجة. ونعتقد أنه لو مُنح ميدان التحرير قدرًا أطول من الوقت لكان قادرًا على إنضاج الثورة، خاصّة إذا لم يتم الالتفاف عليها عبر الدعوة إلى الحوار الوطني التي دعى لها النظام؛ واستجابت لها كثير من النخب الثقافية والأحزاب السياسيّة، والتي أدّت في النهاية إلى تسليم السلطة إلى المجلس العسكريّ وإنهاء حالة الثورة.

المصادر:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أمين، جلال، ماذا حدث للمصريين؟"، (القاهرة، دار الشروق، 2008).
أمين، جلال، قصّة الاقتصاد المصري من عهد محمد علي إلى عهد مبارك، (القاهرة، دار الشروق، 2010).
أمين، مُصطفى، سنة أولى سجن، (القاهرة، دار أخبار اليوم، ب.ت)
بشارة، عزمي، "بين المثقف والثورة"، مجلّة تبيُّن (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016).
بشارة، عزمي، ثورة مصر: الجزء الأول من جمهوريّة يوليو إلى ثورة يناير، (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016).
السعدني، محمود، الولد الشقي في السجن، (القاهرة، دار أخبار اليوم، ب.ت).
سعيد، إدوارد، صور المثقّف: محاضرات ريث 1993، تر:غسان غصن، (بيروت، دار النهار، 1996).
سُليمان، هاني، العلاقات المدنية-العسكريّة والتحوّل الديمقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير، (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015).
عبد العزيز، بسمة، إغراء السلطة المطلقة، (القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 2012).
مجموعة مؤلّفين، الثورة المصرّية، (الدوحّة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، صـ68.
نجيب، محمد، مُذكرات محمد نجيب كنتُ رئيسًا لمصر، ط2، (القاهرة، المكتب المصري الحديث،1984).
[1] مجموعة مؤلّفين، الثورة المصرّية، (الدوحّة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، صـ68.
[2] عزمي بشارة، «بين المثقف والثورة، مجلّة تبيُّن (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016).
[3] إدوارد سعيد، صور المثقّف: محاضرات ريث 1993، تر:غسان غصن، (بيروت، دار النهار، 1996)، صـ25.
[4] Julien Benda, The Treason of the Intellectuals, T: Richard Aldington, (USA, Transaction Publishers, 2006), PP 43.
[5] عزمي بشارة، ثورة مصر: الجزء الأول من جمهوريّة يوليو إلى ثورة يناير، (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، صـ374.
[6] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ376، صـ379.
[7] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ378-379.
[8] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ 385.
[9] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ 407.
[10] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ495.
[11] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ 388،422، 425.
[12] بيان حركة 6 إبريل، في: عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ465.
[13] عزمي بشارة، المرجع السابق، 445.
[14] عزمي بشارة، المرجع السابق، صـ404.
عرض التعليقات
تحميل المزيد