يتمرحل العنف الاستعماري عند فانون في المجتمع المستعمَر بين مراحلٍ أو أطوارٍ ثلاثة. فالعنف الاستعماري الذي بدأه المستعمِر لا يلبث أن يتطوّر – عبر ما يُحدثه من صدمةٍ ورعبٍ وتغيير للتركيبة النفسية للمجتمع – إلى عنفٍ داخليّ ينتشر بين أفراد المجتمع ذاته، بسبب ما خلقه الانقسام من تناقضاتٍ وأحقادٍ ونزاعاتٍ داخليّة. فتنتشر الجرائم ويسود التوتر في المجتمع، وينزوي نحو خلق أوهامه الخاصّة وأساطيره وتكوين حياة انفعاليّة تتبدّى في حلقات الرقص العنيف أو الإباحي، وتكوين جو خرافيّ سحريّ من قوى غيبيّة جبّارة تستحوذ عليهِ وتقل إلى جوارها جبروت المستعمِر وعنفه، وهو ما يجعلهُ يبدو إنسانًا مصابًا بالهيستيريا، يكوّن أوهامًا ليهرب بها من الواقع.[1] وحين يتحوّل العنف الداخلي والقلائل التي تزعزع المجتمع إلى المرحلة التي تؤثِّر بها على الاقتصاد تأثيرًا فادحًا يتّحد المستعمِر مع الطبقة البرجوازيّة الوطنية – التي تنشأ في المجتمع المستعمَر نتيجة تصالحها مع المستعمِر وارتباط وجودها ومصالحها بهِ – ضد المستعمَر أو السكّان الأصليين. فيبدأ المستعمِر باستخدام أدوات عنفه مُجددًا متمثِّلة في الشرطة والعسكر لقمع المواطنين والسيطرة على الأوضاع، متمتِّعًا بالغطاء المعنويّ الذي تمنحهُ له الطبقة البرجوازيّة الوطنية التي تُعلن معارضتها للعنف، وتشهِّر بكل من يمارسه، وتعرض نفسها في الوقت ذاته وسيطًا للحوار بين الشعب وبين المستعمر، بهدف تهدئة الأوضاع. فتبرز فجأة الطبقة التي كانت في قاع عملية الكفاح الوطني إلى لعب دور الطليعة في سبيل إيجاد تسوية. وهو الأمر الذي رأينا يحدث في السياق المصري بعد ثورة يناير خلال المرحلة الانتقاليّة، بل وقبلها أيضًا خلال أيام الثورةِ نفسها.

أمّا المثقف المستعمَر الذي ينتمي – بحسب فانون – إلى الطبقة البرجوازيّة الوطنيّة؛ فهو يرى في العنف الذي بدأ المستعمَر في استخدامهِ ضد المستعمِر – وهو الطور الثالث للعنف الذي يسميه فانون بالعنف العفوي – سلوك انتحارٍ ويأس. فالمثقف يرى أن انتصار العنف يقوم على إنتاج الأسلحة، وإنتاج الأسلحة يعتمد على القوّة الاقتصاديّة والوسائل الماديّة التي توضع تحت تصرف العنف لتحقيق أهدافهِ. وما دامت قوة المستعمِر الاقتصاديّة أكبر من قوة المستعمَر، فلا سبيل إلى ربح الصراع باستخدام العنف. ومن هنا يؤمن المثقف المستعمر أن الاستعمار هو قضيّة فلسفيّة يُمكن مقاومتها فكريًا، ويغيب عنه التواطؤ الموضوعيّ بين الرأسماليّة وبين قوى العنف التي تنطلق في الأراضي المستعمَرة.[2]

يبدأ المثقف عند هذه المرحلة إلى عرض نفسه وسيطًا للحوار، معتقدًا أنه بهذا يحاول إيجاد تسويّة مرضيّة للجميع. وبينما تظل الجماهير في حالة استياء عنيدٍ مؤمنةً تمامًا أن القيادات والنخب الثقافيّة قد خانتها، نرى هؤلاء يحتفلون بالنصر.[3] يُمهّد المثقف بهذا الحوار طريقًا آمنًا للاستعمار لأن يخرج من المعركةِ دون أن يخسر شيئًا، وهو في الوقت ذاته يقتل عملية التحرر الوطني في منتصفها وقبل أن تنضج وتمحو العالم الاستعماري المنقسم، إذ حين يخرج الاستعمار من العالم المنقسم، فهو يسلّم راية الحُكم إلى بديله، وهي الطبقة البرجوازيّة الحاكمة التي تُبقي على معالم العالم المنقسم وتمارس حكمًا استعماريًا وطنيًا بديلًا عن المستعمر الخارجي.

يمكننا أن نقرأ هذا النموذج الذي يطرحه فانون في سياق الثورة المصريّة؛ إذ مثّل الدخول في حوارٍ مع النظام السابق وعدم الإيمان بالثورة والتظاهرات والاعتصامات كحلٍ وحيدٍ للتغيير التفافًا مشابهًا أدى بالنخب الثقافية والأحزاب السياسيّة في النهاية إلى القبول بالمجلس العسكري كبديلٍ حاكمٍ للنظام القديم، برغم كونه جزءًا منه ومكوّنًا من مكوّناتهِ، وانطلقت بعض الأصوات النخبويّة في الدعوة إلى الخروج الآمن للنظام القديم. واستلم المجلس العسكريّ السلطة لينهي حالة الثورة؛ ويُبقي على النظام القائم؛ ويُدخل الجميع في جدالات وهميّة متّبعًا مبدأ «فرّق تَسُد» للتفرقة بين القوى السياسية والثقافية التي تسعى إلى مصالحها المختلفة.[4] وقد مثّل هذا القبول للمجلس العسكري، والدعوة إلى الخروج الآمن لفلول النظام القديم، انقلابًا واضحًا على الثورة، وإتاحة الفرصة للثورة المضادّة أن تستكمل صراعها بأدواتٍ مختلفة وتحت هيئةٍ مغايرةٍ، وهو ما حدث تاليًا في الأحداث العنيفة للجيش في حوادث مثل ماسبيرو، ومحمد محمود 1، ومحمد محمود 2، وغيرها.

إن الإشكاليّة الكبرى – عند فانون – التي تجعل من حُكم البرجوازيّة الوطنيّة استكمالًا للاستعمار في ثوبٍ وطنيّ؛ هو كون هذه البرجوازيّة متخلّفةً تكاد تكون قوّتها الاقتصاديّة صفرًا. وهي تلجأ إلى وسائل تجلب الكوارث إذ تتّجه بنداءاتها إلى الدولة التي كانت تستعمر بلادها، فليس من بينها أصحاب الصناعةِ أو رجال المال، فهي«لا تتجه نحو الإنتاج والابتكار والبناء والعمل، وإنما تنفق نشاطها كلّه في أعمالٍ من نوع الوساطة.[5] فهي أقرب إذن إلى الاستهلاك منها إلى الإنتاج، وهي تعمد إلى تأميم الاقتصاد والقطاعات التجاريّة معتقدةً أن نقل الامتيازات من العهد الاستعماري إلى أهل البلاد هو حل كافٍ بدلًا من وضع مجموع الاقتصاد في خدمة الأمّة وتحقيق حاجاتها، وتنظيم شؤونها؛ إذ تشعر أن من واجبها حفاظًا على كرامة البلاد أن تحتل جميع هذه المراكز. فتكون المحصّلة النهائية أن تمارس دورًا وسيطًا بين البلاد وبين رأسمالية استعماريّة متخفّية.[6]

مثل هذا الدور تكرر مرتيّن في السياق المصري؛ المرّة الأولى بعد الاستعمار في جمهوريّة يوليو التي بدأها عبد الناصر ليس بالتأميم وحده وقانون الإصلاح الزراعي اللذين انتزعا أملاك الطبقات الأرستقراطيّة في العهد الملكيّ/ الاستعماري، وإنما أيضًا بالاستدانة من الخارج إذ بلغ ما تلقّته مصر خلال الفترة من 1958 إلى 1965 ما يعادل 800 مليون جنيه مصري بين مساعدات غذائيّة وماليّة.[7] عمد كذلك النظام الناصري إلى استيلاء الضباط الكامل على جهاز الدولة، وانتزاع القرار السياسي كاملًا ليصير في يد مجلس قيادة الثورة، وكذلك سيطرة الكوادر العسكرية على المواقع الرئيسة والحيويّة في الدولة.[8] وهو احتلالٌ صريحٌ للطبقة العسكرية وضباطها للبلاد، واستبدال احتلال وطني بالاستعمار.

المرّة الثانية التي نرى فيها تكرار الدور ذاته للطبقة البرجوازيّة الوطنية بعد الثورات – ضد الاستعمار الخارجي أو الاستعمار الداخلي – تم بعد سيطرة المجلس العسكريّ على مقاليد السلطة خاصّة بعد سيطرة قائده على الحكم في مصر بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013، إذ ظهر الفقر الإبداعي على مستوى الأدوات والتنفيذ – بالضبط كما يُنظِّر فانون – في الحلول الاقتصاديّة المفرطة في البساطة والسذاجة، إذ تلخّصت أدواته الاقتصاديّة في المطالبات المستمرّة من المواطنين بالتبرّع من أجل إحياء الاقتصاد، وفرض المزيد من الضرائب، وتلقّي المساعدات من الخارج، وهي أدوات تقترب كثيرًا من أداة التأميم التي تجعل كل القوى الاقتصاديّة تحت تصرّف نظامه. كذلك عمد الجيش وقياداته أثناء حكمه العسكريّ إلى دخول مجال الصناعة والإنتاج في مقابل إزاحة المصانع والمؤسسات الإنتاجيّة المختلفة.

يتبلور حل الخروج من إشكاليّة الاستعمار الداخلي عند فانون اعتمادًا على المرحلة التي وصلت إليها حركة الجماهير. فقبل خروج المستعمر وأثناء اشتعال الصراع مع المستعمِر يوجِّه فانون الأنظار نحو ضرورة تحوّل العنف العفويّ – الذي ينطلق بشكلٍ عشوائيّ نحو المستعمِر – إلى عنفٍ ثوريٍّ منظَّم يعمل على إعادة تشكيل البنية الاجتماعية وإنهاء العالم الاستعماري المنقسم عن طريق نوع من الحراك الاجتماعيّ الذي ينهي الفواصل بين الطبقات، ويُلحم الجميع في بوتقة الصراع ضد المستعمِر إلى المرحلة التي يتملّك فيها القطاع الأكبر من الجماهير زمام الأمر والسلطة، ويخرج المُحتلّ منهزمًا وكاشفًا معهَ كل أعوانهِ وأذياله.

بعد خروج الاستعمار؛ يؤكّد فانون على ضرورة وجود البرجوازيّة الوطنية الصادقة التي تعمل على إنكار نفسها كأداة لرأس المال، وأن تضع نفسها بديلًا كاملًا في خدمة رأس المال الثوري متمثِّلا في الشعب، وأن تضع رأسمالها الثقافي والتكتيكي تحت تصرّف الشعب.[9] وأن تعمل على محاربة الفقر والمرض والفساد والغلاء، وتعمل على إحداث تنمية نهضوية شاملة اعتمادًا على اقتصادٍ مُنتج وليس مستهلكًا. وهو الأمر الذي لا يُلاحظ وجوده في السياق المصري الحديث، ما يضفي بظلالٍ كبيرة على كون السياق المصري انتقل خلال القرن العشرين على الأقل بين درجاتٍ مختلفة وأشكالٍ متباينةٍ من الاستعمار والاستغلال.

خاتمة

لا يمكننا أن نتجاهل تكرار النموذج الفانوني في السياق المصريّ مرّتين؛ الأولى بعد حركة الجيش في 1952 وصعود طبقة الضبّاط التي مثّلت البرجوازيّة الرأسمالية الاستهلاكيّة في هذا السياق، الأمر الذي عمل على إحداث نوع من الحراك الاجتماعي عمل على ضمور الطبقة الوسطى، وصعود الطبقات الدنيا إلى مصاف الطبقات العُليا، وما تبعه من تغيُّرٍ في ثقافة المجتمع وشخصيّته الاعتبارية،[10] وكذلك حجم الفساد المالي والإداري الذي تسببت فيهِ البرجوازيّة العسكرية، وما تبعه من ارتباط المثقف بالسلطة وتحوّله إلى بوقٍ لها.

المرّة الثانيّة خلال ثورة 2011 وكذلك بعد الانقلاب العسكري 2013؛ إذ استلم المجلس العسكريّ مقاليد البلاد وعمل على سحب جميع الثروات لتكون تحت تصرّفه، وكذلك عمل على السيطرة على القطاعات المختلفة للصناعة والزراعة والتجارة، الأمر الذي ارتبط بفسادٍ ماليّ ملحوظٍ للسلطة. وقد تزامن هذا مع خضوع الأحزاب السياسيّة والنخب الثقافيّة له، وتحوّلها إلى بوقٍ للنظام القمعيّ.

ساعد الدور الذي قام بهِ المثقف إذن؛ كعنصر سياسيّ لعب دورًا براجماتيًا في فشل الثورة المصريّة؛ أو عدم اكتمالها على الأقل بدلًا من إذكائها وتطويرها لتصبح حالة تطويريّة عامّة تسعى للتقدّم والتغيير السياسيّ. كذلك فقد ابتعد دوره بعيدًا عن الدور التقليدي الذي تُنظِّر له أدبيات المثقف من ناحيّة الدور التاريخيّ، وأكثر اقترابًا إلى نموذج المثقف المستعمَر الممتزج بالطبقة الحاكمة؛ والمعبّر عنها والمؤمن بفرضياتها، والبعيد – في الوقت ذاته – عن الشعب؛ الذي يسخر منه ومن مواقفه وينقم عليهِ ويؤمن بأنّه لا يمثِّله. رأينا كذلك دور المثقف المصري خلال الثورة من حيث فقده لموقفه التحليليّ المعرفيّ، المتبني لرؤية السلطة، المتحاور معها، المتهافت على الامتزاج بها، غير المؤمن بالعنف سبيلًا للتغيير الجذريّ، الداعي إلى اللا عنف وإلى حل الأمور على طاولة المفاوضات، متناسيًا تاريخًا طويلًا من عنف السلطة ضد الشعب.

تؤهّل هذه الاستنتاجات إلى عدّة انطلاقاتٍ معرفيّةٍ أخرى، نحو أشكال الرفض التي عبّر عنها الوجدان الشعبيّ الثوريّ ضد السلطة وضد المثقّف، وهو ما يُمكن أن يمنحنا فهمًا للدور الذي يحتاجه الجمهور لدور المعرفة وسلطة المعرفة الذي يمكن أن يقوم بهِ «المثقف الجديد»[11] وكذلك تمنحنا هذه الاستنتاجات حول طبيعة دور المثقف خلال الثورة، إلى محاولة البحث – في سبيل الوصول إلى فهمٍ تاريخيّ لتكوين المثقف في السياق العربي – حول مدى تشابه أو اختلاف نموذج الاستعمار الخارجيّ، مع النظم العربية/ القوميّة التي نشأت في العصر الحديث؟ وهل نشأ المثقف العربي في العصر الحديث كنتاجٍ طبيعيّ لحركة المجتمع وحاجته المعرفيّة خاصّة خلال تواصله الأول مع الآخر الغربيّ؟ وهو ما سنحاول الإجابة عليهِ في دراساتٍ لاحقة.


[1] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ32-35.

[2] لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطّة يمكن مراجعة بحثنا السابق: مُصطفى حسن، « إشكالية المثقف المستعمَر عند فانون؛ بين العنف الثوري واللاعنف»، ورقة بحثية مُقدّمة ضمن متطلبات مادّة «جماليات المقاومة» في معهد الدوحة للدراسات العليا، بإشراف د. عاطف بطرس.

[3] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ60.

[4] للمراجعة في سلوك المجلس العسكري خلال المرحلة الانتقاليّة يمكن الرجوع إلى: محمد محسوب، برنامج «شاهد على العصر؛ الحلقة الثالثة»، على الرابط: (تاريخ الدخول: 5 من يناير 2017) https://www.youtube.com/watch?v=ovTvTRo3yd8

[5] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ89.

[6] فرانتز فانون، المرجع السابق، صـ90-91.

[7] جلال أمين، قصّة الاقتصاد المصري من عهد محمد علي إلى عهد مبارك، (القاهرة، دار الشروق، 2010)، صـ53.

[8] هاني سُليمان، العلاقات المدنية-العسكريّة والتحوّل الديمقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير، (الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، صـ36.

[9] فرانتز فانون، مرجع سابق، صـ89.

[10] للمراجعة في آثار الحراك الاجتماعي بعد حركة 1952: جلال أمين، ماذا حدث للمصريين؟، (القاهرة، دار الشروق، 2008).

[11] نطرح مفهوم «المثقف الجديد» في إطار تطوير نموذج المثقف التقليديّ؛ وهو ما سيتم تناوله بتوسعٍ أكبر في مقالات لاحقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك