قديمًا قيل كثيرًا عن إصلاح الأم وإعدادها، فهي التي تصنع جيلًا مثقفًا واعيًا إنْ امتلك أدوات الصّناعة الجيدة، الأم أحد أهم قواعد بناء المجتمع، وكذلك المُعلم!

فلا يُمكن لأمّة أنْ تُبنى دون صلاح هذين الطرفين، فنحن بحاجة اليوم لمن يمتلك زمام أمره، من يكون قادرًا على النّهوض بأمة تترنح بين نيران التبعية، وانهزام الذات.

لم يَكن دور الأم أقل أهمية من دور المعلم في صناعة الجيل، فهي التي تُربي بَدْءا،هي التي تزرع البذرة الأولى التي تُسقى وتُبنى على يد المعلم، فإذا لم يكن زرع الأم صالحًا، كان سقي المعلم هباءًا منثورًا.

ما أكثر التساؤلات التي تدور رحاها في أنفسنا!، حين نتساءل بين أنفسنا وفي ظهرانينا:لماذا نجر عربتنا في ذيل الرّكب، ولم نُسابق الأمم لنكون في المقدمة، بالرغم من أننا أمة علم؟ لم تغرق دولنا ومجتمعاتنا في الحروب والفقر والظلام؟ لماذا – وألف لماذا – تشتعل دواخلنا ولا إجابة؟ لأننا مُذ فقدنا بوصلة الأخلاق، فقدنا على إثرها العِلم القادر على إحداث التطّور والرّفعة.

نحن أمّة قرآنها يدعو للتعلم والمعرفة، رسولها حث على العلم، علماؤها الأوائل كانوا اللبنة لكثير من علوم اليوم، ونحن اليوم مُجرد أمة ورقية !

أقول لأننا مُذ أهملنا دور المعلم، واقتصر دور الأم على التربية الجسدية للأبناء، صار لا هدف لنا، أصبح أبناؤنا:

بين معلم مُجْهَد، لا احترام له، لا قيمة اجتماعية، لا امتيازات، بل زدْ على ذلك صرنا نُصدر في مناهجنا،لجيل بأكمله أنّ مهنة التّعليم لمن لا طموح له، فنعلم الطلبة أنْ المعلم أقل مكانة اجتماعية من بعض المهن التي يُحبها المجتمع العربي، ويختارها للتباهي.

وبين أمّ لم تع جيدًا صناعة الفكر، بل جُل ما يُهمها هي أنْ تطعمه وتسقيه، أطيب المأكولات وألذ المشروبات، وتربيه فيصير كما تريد لتباهي به الجارات، ويحصل على الشّهادة التي أرادته هي، ويتزوج بالشخص المناسب كما ترى هي، ثُم تظن أنّ هذه هي التربية. ولا تدري أنّها أضافت للمجتمع فردا عاجزا، لا رأي ولا قرار ولا إرادة.

في إحدى الدروس الموجهة لطلبة المدارس، وضع معدو الكتاب فقرة عن أفضل المهن التي يُحبذها الأهل، ووضعوا تصنيفًا لهذه المهن، وذيلوا الفقرة بعبارة: وقد يتنازل الأهل في طموحاتهم قليلًا لمستوى محام أو مُعلم.

حين قرأت التعليقات حول هذه العبارة على صفحات التّواصل، علمت حجم التردي الذي وصلنا إليه، كيف يستطيع المعلم صاحب الرّسالة، أن يُحدث طلابه عن حجم السقطة التي وضعه بها هؤلاء المعدون؟!

إذا كانت مناهجنا لا تحترم المعلم، فلما نُطالب الجيل باحترام معلمه؟ بل كيف نُطالب المعلم بأنْ يُصلح من هم بين يديه؟ أي مجتمع سيغدو عامرًا إنْ لم يكن المعلم أحد أهم قواعده، أين شوقي الذي قال: قم للمعلم…

ماذا لو درى شوقي بمصاب أمتنا، ماذا عساه يقول، صار المُعلم في ذيل الطّموح.. بينما هو صانع لكل المهن.

هذا المعلم الذي يتسلم فلاذات أكبادنا من أمهاتهم، ليعلمهم ويصقل شخصياتهم، ويرقى بهم، ويجعل منهم شيئًا يُذكر.. ثم يُهان.. ثم نبحث بين الأمم عن رفعة، فأنى لنا ذلك؟!

هاتان اللبنتان الأساسيتان، في صناعة المجتمع. تأخذنا لنطالب مجتمعنا، ومؤسسات التّعليم فيه  بالاهتمام بالمعلم، ماديًا ونفسيًا وتعليمًا، نطالبه باحترامه والرفع من قدره.كما نطالبه بتوفير الدورات الخاصة بالأمهات، لإعدادهن إعدادا يُمكنهن من تربية أبنائهن تربية قويمة تقوم على أسس ومقومات، حتى نخرج بجيل واع، قادر على مواجهة ضلالات مجتمعه.

إذن نحن بين عمودين من أعمدة الرفعة، ما بين الأم التي تُربي وبين المعلم الذي يصنع، إن لم نحسن صناعتهما واحترامهما ورفعتهما، لن نرتفع أبدًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك