الحب والعطاء عند الأم والشجرة لم يكن يومًا مقترنًا بأسباب معيّنة أو وليد اللحظة، فلقد اجتمعا معًا لرسم المهنة على أنها دين مُقدس لا تعكره تأثيرات ما حوله مهما كانت، ولقد ظلت هذه الرؤية عندهما لحد الآن مقدّسة فلم تخضع لتطور ما حولهما، سواءٌ بالإيجاب أو السلب، ففي الحروب مثلًا والتي تغير نتائجها أو أحداثها كل شيء تمرّ عليه نجد الأم من الجهتين تبكي وتجري وتئن لأولادها، مهما كانت توجهات أي واحد من الجهتين المتقاتلتين، لم تتغير هذه الحال حتى مع أمهات (داعش) أو التحالف الدولي في سوريا، كذلك الأمر مع أمهات اليهود وأمهات الفلسطينيين، كذلك الزيتون ينبت مهما كانت الأرض، سواءٌ مُحتلة أو هي لأصحابها، فمهمّة كل واحد منهما كانت سامية مهما تغير الزمان والمكان وظلت سامية لا تهتم لما يفعله الإنسان وما حولها، إن هذا الأمر هو في حد ذاته إعجازٌ كوني يستحق الوقوف عنده.

إن اشتراك الأم والشجرة في نفس اليوم وهو 21 من شهر مارس (آذار) من كلّ عام ليس عشوائيًا من ناحية الاختيار، ذلك أن لهما نفس العوامل المشتركة ونفس المصير ونفس المبادئ التي لم تتغير منذ الأزل.

إنّ المبادئ التي تعيش لها الأم والشجرة (الحبّ والعطاء) قوية جدًا وتعتبر أسمى الصفاة على وجه الخليقة، منذ نشأتهما على هذا الكوكب لم تتغير مستوى مهنته أو حجمها، حتى من ناحية تأثير الزمان والمكان، أو الثقافة أو الحضارة، فالأشجار مهما عصفت بها الطبيعة أو الحروب ظلّت تنمو كلما استطاعت ذلك، وتجدها تصعد مُخضرّة حتى ولو كان ذلك سبيل موتها، بين الرّكام أو الحطام، تمارس العطاء حتى لو كانت وحيدة في مكان معزول، يختبئ وراءها أيًّا كان، تحمي العدو والصديق ومن كل الجهات، لم تنحز الشجرة أبدًا لأحد غير العطاء والحب بشكله المطلق للأرض، ولم ترُدّ يوما محتاجًا مهما كان توجهه حتى قاتلها، الأم هي الأخرى لم تنحز لتوجه الأبناء وتغيراتهم أو ثقافاتهم عبر الزمن فكرًا كان أو دينًا أو حضارة، إلا لكونه ابنًا وكفى، مهما عصفت بها التوجهات ومهما كان الولد عدوًا لها أو صديقًا، إرهابيًا أو إنسانًا.

حبُّ الأم لا يندمل مهما حكّ الزّمن وجهه، وكذلك عطاء الشجر لا ينقطع مهما طغت الحروب والطبيعة عليه، ربما لهذا الأمر آثرًا على نفسيهما أن يحتفلا بنفس اليوم، لأنهما تعرّضا لنفس المصير في هذه الأرض وحملا نفس الضمير الذي تفرّدا به وحدهما، ولم تُشِبه أي شائبة أو يتعرض لأي تغيير، في هذا العالم الذي تغير فيه كل شيء، لم تبق إلا مهنتين لم تتغيرًا وبقيا على نفس الوتيرة ونفس الإتقان ونفس المحنة، مهنة الأمومة ومهنة النبات «الحب والعطاء»، حتى أنّنا نرى الأديان كلها تتبنّى محاسنهما ويدعو كل دين لصون الأم والشجرة واحترامهما، بل التقرب من الآلهة والتعبد بهما.

هذه الوصايا تعطي للدّين الميزة أكثر من أن تعطي للأم والشجرة كونهما الأصل في الصفة والجميل، فالشّجرة والأم لم يكن منطلقهما دين ولا ثقافة، ولكنها الفطرة التي لم تتأثر يوما بالثقافة او التأثير الخارجي، وظلا على حال الانحياز للمهنة وحدها وتقديسها، لذلك كان لهما الميزة بهذا الاحتفال اليوم والأهمية في هذا الكون، وعلينا ان نعطي نحن كذلك المكانة الحقيقية لكل منهما، فهما المساهم الوحيد الذي بقي على عهده يصارع كل التيارات ومن كل الجوانب من أجل المُقدّس، وليس غريبًا أن نجدهما يعيشان كحراس لمهنة سامية لهذا اليوم بكل عزم وفخر وقوة.

المجد لهما أولًا وآخرًا والمجد لهما في كل زمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد