اللوحة الأكثر إثارة للاهتمام التي تعبر عن ما يفكر فيه الشخص أكثر مما يراه. – مارك روثكو.

في مايو (أيار) من عام 1508 بدأ الإيطالي مايكل أنجلو في عمله بإعادة رسم سقف كنيسة السيستينا في الفاتيكان بتكليف من البابا يوليوس الثاني. عملٌ مستمر أربع سنوات أبدع فيها أنجلو 300 رسمة من الكتاب المقدس على سقف الكنيسة. ظهر طابع أنجلو الإنساني وتفاصيل الجسد على قصص الإنجيل وعمرت مئات السنوات لتبهر كل من يراها حتى خارج الكنيسة وخارج كل دين.

دخل المخرج دارين أرنوفيسكي في فجوة زمنية أعادته لزمن أنجلو ليستقي من إبداعه صوره للوجود يعرضها في فيلمه الأخير. صورة يعرضها بروح عصره الجديد وحالة عالمه الذي نحياه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أحد لقاءات المخرج دارين أرنوفيسكي عن فيلمه يطلب من المحاور والمتفرج عدم الحكم على الفيلم من أول مشاهدة، يقترح مشاهدة أخرى للفيلم بعد الأولى.

بعد مشاهدة ثالثة للفيلم تتأكد من أنه فيلم مختلف. ليس فيلمًا من أجل الجوائز ولكن من أجل السينما والفن. حالة من العصف الذهني اجتاحت عقل أرنوفيسكي عدة شهور خرج منها برؤيته للوجود وعرضها بأحسن ما يمكن لكن من وجهة نظر الطبيعة. من عقل وشعور الأم التي تعطي كل شيء لأن ليس لديها خيار آخر، خلقت بالحب لتعطي الحب كما يوضح الفيلم.

في كثير من النقد المكتوب في مقالات والمعروض على يوتيوب تناول أصحابها بساطة أفكار الفيلم على غير المتوقع وغموض وعدم ارتباط عدد كبير من المشاهد. لم يحصل الفيلم على تقييم كبير ولا فترة عرض جديرة بقصة البشرية المعروضة في كتاب منذ آلاف السنين! ربما العصر مناسب أكثر لنولان وتارنتينو وسبيلبرج، لكن وجود أرنوفيسكي وإبداعه يكسر حاجز التكرار وأفلام النجوم 9 و9.5.

لم يتواصل أرنوفيسكي مع الإله أو يوحي له بقصة خلق جديدة لكنه عرض القصة بأحسن عرض. خافيير براديم مبهر، إله غاية في العطف والحنو على الإنسان في نفس الوقت الذي يكون فيه أنانيًا وغير مبالٍ لأفعاله الممرضة للطبيعة. ينال الطبيعة عطفه عندما يغيب الإنسان أو تغيب صورته لنفسه في عين الإنسان وتبقى الطبيعة كما هي منذ البداية محبة ومعطاءة بدون حدود. تصنع جنة لتعيش فيها مع الإله ويدعو الإله فيها الإنسان لكنه يدعو مرضًا وفضولًا يصيب الطبيعة بمجرد ظهوره. يثير العقل قدرة الإنسان على التطور وعلى الفهم وعلى الذكاء بالتحديد في مشاهد ميشيل فايفر مع جنيفير لورانس. جينيفر تحب خافيير لكنها لا تستطيع الاعتراض والمناقشة والوعي والإدراك لتصرفات خافيير كما استطاعت ميشيل أن تصيغ الخلاف والأنانية من زيارة واحدة للمنزل.

في كل مرة يظهر الإنسان تتألم جينيفر وتتعاطى دواء (مسكنًا للألم) لا نعلم عنه شيئًا سوى لونه الأصفر وارتباطه بمشهد يظهر فيه البشر، اللون الأصفر قد يكون إشارة للنار أو الشمس التي بدورها محاولة للتطهر!

الدم؟ بقعة دم لا تختفي من أرض المنزل وتنتشر للأسفل منذ أول حادث قتل حدث على الأرض. القتل يحدث بمقبض الباب نفسه الذي أسقطه خافيير من باب غرفته ليمنع دخول الفضوليين إليها بعد إفسادهم جوهرته التي دفعته لأن يبني كل شيء من جديد (أكل التفاحة؟ المعرفة؟). بقعة الدم تظل أبدية حتى النهاية التي تحرق كل شيء، منبع أبدي للألم والشر يتجدد مع كل وجود بشري في المنزل، يستوقفك مشهد القتل ومحاورة الابن القاتل لجينيفر محاولًا أن تأخذ جانبه وتفهمه لأنه مدفوع لذلك وأسبابه أوجدها والداه كما قال والمقبض أوجده خافيير كما نرى.

بعد حادث القتل يعود الأبوان المكلومان للمنزل لتأبين الابن المقتول والآخر المفقود الهارب بإثم لا ينتهي. يطلبان من الشاعر خافيير إلقاء كلمة تخفف عنهما. يستجيب لهم ويلقي قصيدة مفادها أن الألم هو صوت البشرية وصرخة الحب التي تتكرر عبر الزمن في كل حادث يشعر فيه صاحبه بالفقد والصمت التام للكون من حوله، وتتكرر نفس القصيدة على لسان الكاهن بعد القتل الوحشي للابن الذي طالما تمنته الطبيعة وتخلى عنه الإله للبشر ليكمل عطاءه لهم حتى في التضحية.

عود أبدي؟

نفهم من الفيلم أن القصة متكررة تبدأ وتنتهي والثابت فيها هو الشاعر الذي يكتبها كل مرة بتغييرات بسيطة لكن خطوطه العريضة ورغباته لا تتغير ولا تتحول. تستشعرها جينيفر أخيرًا في المشهد الذي ينهي فيه الشاعر قصيدته ويعرضها عليها فتفهم منها أنها ستفقده لكنها يعدها بأن ذلك لا يحدث أبدًا، هو صادق فهي لا تفقده أبدًا لكنها أيضًا لا تمتلكه ولا حتى تمتلك أي وعي تدرك به سوى أنها صنعته التي يتباهى بها.

عندما يستفسر أحدهم من أرنوفيسكي عن غياب الخلفية الموسيقية يرد بأن تعبيرات وملامح الطبيعة كانت هي الموسيقى المطلوبة ليصل للمتفرج كل معنى بدون تمهيدات.

وتكتمل اللوحة بأغنية النهاية التي تتساءل فيها حبيبة تركها محبوبها كيف أن كل شيء في الطبيعة يستمر في حركته على الرغم من أنها أصبحت مهجورة واستشعرت نهاية العالم بنهاية الحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد