فيلم رائع آخر للمخرج والكاتب دارين أرنوفسكي، سوداوي وفانتازي وصادم كما يحب. تخلى فيه عن رفيقه في جميع أفلامه السابقة الموسيقار كلينت مانسيل؛ ليجعل لحن الفيلم الأساسي هو الصمت!

أرنوفسكي واحد من أهم المخرجين وأبرعهم في صنع أفلام الدراما النفسية، والرعب النفسي، والفانتازيا. وفي فيلمه الأخير «الأم!» يلعب على وتر قريب من أفلامه «Pi»، و«مرثية حلم»، و«البجعة السوداء»، فمن بداية الفيلم إلى نهايته وهو يضغط على أعصاب المشاهد، الذي يجد نفسه متوحدًا مع بطلة الفيلم، يرى بعينيها، ويتحرك معها، يعيش معها لحظة بلحظة أجواء الفيلم الكابوسية! اختار أرنوفسكي ممثليه بعناية. فالممثلون الرئيسيون جميعهم تقريبًا بلا استثناء مخضرمون، وقدموا أدوارهم ببراعة وإتقان، وعلى رأسهم بطلة العمل الممثلة جينيفر لورنس في أداء دور من أفضل ما يكون، ربما تنال عنه جائزة الأوسكار الثانية في تاريخها!

يتكون الفيلم من عدة طبقات. فللوهلة الأولى نجد أن الفيلم يعرض لنا قصة زوجين يمران بأحداث غريبة بعد زيارة مفاجأة من ضيوف غير مرغوب فيهم في إطار من الرعب النفسي، وهو كذلك. وعلى مستوى آخر نشاهد تطور علاقة الزوجين خلال الفيلم، ونتعرف إليهما أكثر حيث يبدأ الفيلم دون أي مقدمات أو تفاصيل عن تلك العلاقة. وعلى مستوى أعمق يتجلى بوضوح رمزية الفيلم فالأم/ البطلة يقصد بها أرنوفسكي بالتأكيد الطبيعة الأم/ البيئة/ الأرض وعلاقتها بالبشر بشكل يذكرك بقصة الشجرة المعطاءة (The Giving tree). وعلى نفس المستوى الرمزي نرى أرنوفسكي يعود لشغفه القديم المتجدد في العديد من أفلامه، ويعرض لنا قصة الخلق كما جاءت في الكتاب المقدس من آدم وحواء حتى المسيح ربما مع تسليط الضوء على دور الطبيعة الأم في القصة.

في البدأ كانت الكلمة.. وكانت الكلمة عند الكاتب!
سكن الكاتب البيت.. وكان البيت خربًا وخاليًا.
إلى أن وجدها.. أصبحت هي البيت.

تحذير: يوجد حرق للأحداث.

يدور الفيلم حول زوجين (كاتب روائي نرجسي وزوجته المحبة). يمر الكاتب بأزمة منتصف العمر، ويمر بأزمة في الكتابة. الكاتب ضجر تائه لا يعرف ماذا يفعل! لا يجد أفكارًا جديدة للكتابة. وعلى الجانب الآخر فإن زوجته أعطته كل شيء. أصلحت له بيته المحترق، وتقوم بصيانة بيته الخرب. لا تكل ولا تمل من عمل البيت والإغداق عليه بحبها وعطفها وحنانها! كل ما تريده هو أن ترى زوجها الكاتب والشاعر راضيًاا!

يأتي إلى المنزل في وقت متأخر ضيف غير مرغوب فيه، أحد معجبي الكاتب المهوسيين به، وكأن الكاتب قد عاد طفلًا، ممتلأً بالحيوية والنشاط، استمع لأحاديث الضيف وحكاياته، أكرمه وعطف عليه، ففيما يبدو أن الضيف كان يحتضر! ثم تأتي زوجة الضيف غير المرغوب فيه، تتجول في البيت كالأفعى، تتصرف وكأنه بيتها! الزوجة/ البيت لا تتحمل كل هذا. تريد طردهم! والكاتب زوجها لا يبالي. فهو سعيد بالضيوف الجدد! حتى ذلك الحجر الثمين لم يسلم منهم! ذلك الحجر الذي يحمل ذكرى خاصة للمؤلف. كان قد وضعه في غرفة نومه وأخبرهم ألا يقتربوا منه، إلا أن الأغبياء اقتربوا وكسروه. طردهم من غرفة نومه شر طردة، إلا أنه سامحهم وغفر لهم وتركهم يقيمون في البيت؛ لكنه أغلق غرفته فيما يبدو للأبد!

يحضر ابنا الضيف المحتضر، يتشاجران بشأن وصية أبيهما، يقتل أحدهما الآخر بضربة قوية على رأسه! يهرب الابن القاتل! الكاتب العطوف المحب لضيوفه لديه المزيد فيطلب من الأبوين الثكلى إقامة حفل العزاء في منزله ودعوة من يشاؤون دون استشارة زوجته/ البيت. يأتي الزوار كالجراد. كل شيء يبدأ في الانهيار، حتى أن الخلاف بدأ يمد جزوره بين الزوجين المحبين! يتم تدارك الأمر سريعًا، ويخرج الضيوف غير المرغوب فيهم من البيت أخيرًا.

الزوجة أصبحت حاملًا. حياة جديدة في طريقها للولادة. كل ما حدث يفجر في الكاتب الرغبة في الكتابة من جديد، وبعد تسعة أشهر ينتهي الكاتب من روايته. الرواية البديعة أعادت له شهرته من جديد، يتوافد المعجبون والصحافيون على البيت. أتوا أفواجًا من كل حدبٍ وصوب كالحجيج لزيارة الكاتب لرؤيته.. لسماع كلماته.. وربما يستطيع المحظوظ فيهم أن يلمسه حتى!

ومن هنا ينتقل أرنوفسكي بنا لمستوى أعلى من التوتر والترقب والرمزية. فأعداد الزوار تتزايد بشكل مرعب.. يعيثون في البيت فسادًا.. والزوجة تكاد أن تجن! ورغم كل ذلك فإن الكاتب/الزوج لا يبالي! فهو مفتون بهم وبفتنتهم به!

تعم الفوضى والخراب أرجاء البيت الذي يتحول إلى مسرح للعبث. فهاهم بعض الزوار يرتادون ملابس يغلب عليها الرسمية يحيطون بزوجها يمنعون بقية الزوار من الوصول إليه.. يتكلمون بكلماته ويتصرفون بأسمه.. لكنهم لا يبالون به في الحقيقة ولا بزوجته الحامل المنهارة ! والبعض الأخر حول بعض الغرف لمرقص وأخذةا يسمعون الأغاني ويرقصون! والبعض الأخر حول غرفة لما يشبه غرفة تعذيب وقتل!! وعندما جاءت الشرطة لم يستقر الوضع بل زادت الطين بلة! وأخذوا يتقاتلون مع الشباب الذي كان يهتف «عيش.. حرية.. كرامة إنسانية» بلغة لا تفهمها الزوجة! تصرخ الأم فيهم «لماذا تفعلون ذلك؟!» لا أحد يسمع بل يوشك بعضهم أن يفتك بها!

وفي وسط كل هذا الهرج والمرج جاءتها آلام المخاض!

يصل إليها زوجها الكاتب بصعوبة يسحبها على غرفته لتلد طفلها وتتوقف فجأة أصوات الزوار في الخارج! ها هو ابنها الصغير أخيرًا بين ذراعيها ويجب أن تحميه. يأخذه الكاتب عنوة من يد أمه ليريه للزوار.. الزوار يتخاطفون الطفل فيموت..

ثم يعتدون على الأم المكلومة التي تصرخ »قتلة«.. يخلصها زوجها بصعوبة من بين أيديهم.. يخبرها أنه آسف وأنهم لم يقصدوا ذلك وأنه يجب عليها أن تغفر لهم كما غفر هو لهم! تخبره بأنه مجنون وتسبب في قتل ولدهم/الحياة. في النهاية لا تجد الأم المكلومة بد من الانتقام والتخلص من الزوار.. فتفتح الغاز وتشعل النار في البيت فيموت جميع الزوار ويحترق البيت ولتنتهي القصة بمشهد بداية الفيلم (امرأة تحترق). فيبدو كل شيء كحلقة مغلقة أو سنّة كونية تتكرر وتعيد نفسها إلى مالا نهاية!

الرسالة المباشرة للفيلم مثلها مثل فيلم آفاتار والعديد من الأفلام الأخرى هي إلقاء الضوء على علاقة البشر ببيئتهم وأخطار استمرار نفس أسلوب الحياة الحالي والتحذير من غضب الطبيعة! وفي نفس الوقت يقدم لنا رؤية ارنوفسكي الفلسفية المعاكسة لمبدأ وحدة الوجود بإبراز مفارقة الإله للطبيعة ومفارقة البشر لكلاهما!

عندما انتهيت من الفيلم تذكرت حوار السيد سميث مع مورفيوس في فيلم ماتريكس الجزء الأول حين قال له: «عندما حاولت تصنيف البشر ضمن أنواع الكائنات الحية أدركت أنكم لستم من الثدييات في الواقع. فكل حيوان ثديي على هذا الكوكب يطور غريزيًا اسلوب حياة متوازن طبيعيًا مع البيئة المحيطة به. لكن البشر لا يفعلون ذلك! أنتم تنتقلون من منطقة إلى أخرى ثم تتكاثرون بشكل كبير ويزداد عددكم حتى يتم استهلاك كل الموارد الطبيعية حولكم. فتكون الطريقة الوحيدة ليمكنكم البقاء على قيد الحياة هو الانتقال إلى منطقة أخرى وهكذا.. هناك كائن حي آخر على هذا الكوكب يتبع نفس هذا النمط. هل تعلم ما هو؟ الفيروس. البشر مرض.. سرطان هذا الكوكب. أنتم الوباء ونحن العلاج. «

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد