يغمرني الرثاء وأنا أكتب هذه الكلمات التي أدري أنها لن تغير من الواقع قيد أنملة ولن تعبر أيضا عن شدة الوجع، ففي بلادنا تفني المرأة أعز ما تملك في سبيل أسرتها، وقتها وصحتها، وهي مع تتابع الأيام تدرك أن ذلك أغلى ما لديها بالفعل، فالوقت هو الحياة والصحة هي طوق النجاة، كيف تسبح في بحر عميق دون طوق من الصحة الجيدة على الأقل، تتمتع بالراحة أو الصيانة كأي آلة في عجلة إنتاج نظام رأسمالي متوحش؟

تذوب الأم بكليتها في خدمة أسرتها كالفاكهة التي تُضرب في الخلاط فيتغير شكلها وطبيعتها فلا تعد تعرف من هي وكيف تحولت لهذه الإنسانة سيئة المزاج وكيف يمكنها الاعتناء بنفسها وكيف تكون سعيدة، كنت أعتقد أنها تفعل ذلك عن طيب خاطر بناءً على الصورة الملائكية للأم التي ترسمها لنا وسائل الإعلام في شهر مارس من كل عام، إلا أنني عندما خضت التجربة بذاتي وتعرفت على ذوات مختلفة في عالم الأمومة اكتشفت أن ليس كل الأمهات يفعلن كل هذا عن طيب خاطر أو قل عن اقتناع، والأغلبية تعاني كل يوم وكل ساعة، فالمهام والعقبات في طريق الأم تبدأ ضخمة ثم تستمر في التضخم حتى تبتلعها تماما مع الوقت وتتركها خطوطًا عريضة لمشروع واعد لم يكتمل.

والسؤال الطبيعي والمنطقي هنا هل أنجبت الأم أولادها بمفردها حتى تهتم بهم بمفردها أيضا؟ هل تعيش في منزلها بمفردها لتهتم به وحدها؟ هل غاب عنها زوجها فأصبحت المسؤول الوحيد عن الأسرة؟ وإذا كانت الإجابة بلا إذن لماذا تغرق وحدها وسط تلال من مهام لا تنتهي؟ وهنا ستسمع ضحكة شديدة السخرية من الأمهات فأغلب الآباء لا يقدمون المساعدة والأسباب هنا كثيرة، فمنهم من لم ير ذلك من والده ومتوقع أن تقوم زوجته بنفس الدور الذي أفنت فيه أمه عمرها وصباها، وقد يرثي نفس الزوج حال أمه شديد السوء بعد سنوات من الدوران في ساقية المهام وحدها ومع ذلك لا يجد غضاضة في أن تسير زوجته في الطريق ذاته، ومنهم من يرى أن للرجال مهام وللنساء مهام أخرى ولا يجوز المزج والخلط هنا بين الاثتنين وإلا فقد الكون توازنه الطبيعي الذي يحرص عليه منذ كان نائما في حصة العلوم في الصف الخامس الابتدائي، ومنهم – وهم كثر – من يضطر للمساعدة بسبب الغربة أو قسوة الأمر الواقع الذي قد يحدث فيه أن تمرض الأم أو تصاب بالبرد مثلا مثل أي كائن حي آخر من حقه أن يمرض وينام فوق السرير ويتأمل انعكاس ضوء النجفة على أركان السقف الأربعة، ولكنه في هذه الحالة يساعد على مضض مع تقديم الكثير والكثير من الدعم المتمثل في فقرات من المنّ المتواصل لسنوات قادمة على تغيير حفاض لرضيع أو غسل صحون أو نشر غسيل، ومنهم – وهم قلة – من امتلأ قلبه بالجمال والحنان والإشفاق ولا يجد أي غضاضة في تقديم المساعدة حتى دون أن تُطلب منه.

يكتفي النوع الأول عادة بالصمت عن التقصير في حالة مرض الزوجة، ويعتبر نفسه بذلك أفضل زوج على وجه البسيطة لأنه رائع بما يكفي لأن يصمت عن تقصير الخادمة عن نضافة مملكة الملك الصبور، وكأي ملك يترفع عن الصغائر يترك المملكة تتحول شيئا فشيئا لـ”زريبة” حتى تشفى الزوجة من مرضها أو يتكرم بالموافقة على الاستعانة بخادمة أو يفيض به الكيل ويطلب منها أن تطلب المساعدة من أختها أو أمها في التنظيف فمهام المملكة تبتلع كل وقته ولا يجد أي وقت للمساعدة، وعند الحديث عن ضيق الوقت تجده محقا ومعذورا فالكثير من الوقت يضيع بالفعل على القهوة قديما وبين صفحات شبكات التواصل الاجتماعي حديثا.

لا أدري لماذا تطرقت لهذه النقطة في عيد الأم تحديدا! لعلي عندما أتطلع خارج تلال مهامي اليومية لا أجد حولي سوى أنين صديقاتي الأمهات فأتوقع واقعًا مماثلًا لأمي أثناء تربيتنا أيضا، فكلما حاولت عصر ذاكرتي لأتذكر أيام وليالي سهرتها أمي بمفردها بجانبي حتى أنام مثلا فلا أجد أي أثر لهذا المشهد في ذاكرتي الممتلئة بمواقف جميلة لوالدي رحمة الله عليه، وأتذكر سؤال مذيع لإحدى الشيوخ عن سبب تمييز الدين للأم وفضلها عن الأب وأجاب الشيخ إجابة مختلفة تماما عن كل ما سمعت على مدار حياتي وأكثر الإجابات منطقية على الإطلاق، قال لأن الإنسان مستحيل أن يتذكر مدى تعب أمه في تربيته في المهد وحتى قبل خروجه للحياة ومعاناتها أثناء الوحم وثقل الحمل وصعوبة الولادة، لكنه يتذكر فضل والده بسهولة لوجود الذاكرة لذلك يوصي الله بالأم لفقر علاقتنا بها للذاكرة أما علاقتنا بالأب فالذاكرة أولى بتحسينها.

نعم، فالأمومة أهم من ابتذالها بنصب مولد عيد الأم في المحلات والقنوات التليفزيونية والتغني بـ “ست الحبايب يا حبيبة”، أهم من هدية استهلاكية تروج لها الأسواق التجارية وتندرج تحت بند “السبوبة” و “الموسم”، أهم من دموع طفل يبكي لأمه لشراء هدية باهظة الثمن لمعلمته التي تطلب ذلك وتحدد قيمة الهدية المطلوبة وإلا سيعامل بسوء وإهمال متعمد، أهم من دوخة أم على ملابس تنكرية لحفل عيد الأم في المدرسة بالرغم من رضائها الكامل عن شكل طفلها كما هو ولا تريد أن يتنكر في أي شكل آخر.

الأمومة تحتاج أن ندرك أن ليست كل أم هي فردوس محمد بالضرورة، تحتاج أن تواجه الأم العنصرية والذكورية بأخطائها التربوية لمنع “مرمطة” أمهات عديدة من الأجيال القادمة، أن نكسر حلقة القيود والأعراف التي ترى في مساعدة الزوج لزوجته وتأسيه بالرسول عليه الصلاة والسلام عيب وانتقاص من الرجولة، وترى فيمن تتجرأ على الشكوى أو التفكير خارج الصندوق أو الإقدام على أي خطوة ضئيلة لذاتها ناقصة الأمومة ولا تحب أطفالها ولا تضحي من أجل أسرتها بالقدر الكافي المنتظر منها، أن يرى الطفل أبًا يساعد الأم فيشب على مفهوم أشمل للبر ويتقبل فكرة تحمل مسؤولية وجوده في منزل مع أسرة أو مع شريكة حياة لا خادمة، أن تحب الأم أمومتها فتتمنى لو يمتد بر ابنها بها ليشمل البر بأم أطفاله في المستقبل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد