العالم مليء بالقادة، سواء كانوا قادة بالفعل، أو بالمسمى فقط. يشغل بالي كثيرًا موضوع التربية القيادية، هل بالفعل يمكننا تربية جيل صاعد من القادة، أم أن المهارات والسمات القيادية موروثة لا مكتسبة؟ ومَنْ هو فعلًا الذي يستحق لقب القائد؟ وهل يُشترط للقائد أن يكون في أحد المناصب الإدارية؛ ليتمكن من اتخاذ القرارات المناسبة، أم قد يكون في أقل سلطة إدارية، ومع ذلك يقنع من حوله بالقرارات المناسبة؟

لنتأمل قليلًا في سيّر بعض القادة؛ لنستخرج منها أهم الصفات القيادية؛ وذلك لنرسم سويًا نموذجًا مبدئيًا لأهم الأسس، والسمات، والمهارات؛ لصناعة قائد المستقبل، أو لنطلق عليه مؤقتًا قائد القادة.

نبدأ الرحلة بالقائد «ثيو إيبستاين»؛ وهو أعظم قائد للعام 2017، وفقًا لجريدة فورشين، وهو رئيس نادي الأشبال الأمريكي؛ حيث إن النادي عمره أكثر من مائة عام، ولأول مرة في تاريخه حقق بطولة العالم في لعبة البيسبول، ومن أهم الاستراتيجيات التي اعتمد عليها «إيبستاين» في نجاحه كانت ما يلي:

توظيف السلوكيات لا المهارات فقط؛ بمعنى طلب الرئيس القائد ألا يتم الاعتماد فقط على مهارات اللاعبين، ومدى إجادتهم للعبة، بل كذلك مدى طموحهم للفوز ببطولة العالم، وعدم القناعة بأي شيء أقل من ذلك.

اقتنع تمامًا بأن هناك حدود للاعتماد على الأرقام؛ بمعنى أن المنافسين باستمرار يحللون البيانات والأرقام؛ لاتخاذ القرارات، فلن نعتمد فقط على تحليل الأرقام كالمنافس، بل أهم من تحليل الأرقام، تحليل البشر، وتقويمهم.

العلاقات أساس أي نجاح؛ اهتم «ثيو» ببناء العلاقات سواء داخليًا مع اللاعبين، أو خارجيًا مع الجمهور، ووسائل الإعلام، وأي جهة ذات علاقة باللعبة، سواء من قريب أو بعيد.

اعتمد على تمرير استراتيجية أن الفريق كله قادة بلا قائد أوحد؛ بل يعتبر كل قائد أنه هو قائد القادة، وأن نجاح أي قائد بالفريق، هو نجاح شخصي له كقائد للقادة.

ثيو إيبستاين

ثيو إيبستاين

في المحطة الثانية من رحلتنا قد نذهب إلى الصين؛ لنرى كيف يتحول أسوأ وأتعس من على الأرض – على حد وصفه لذاته – إلى أغنى رجل بالصين، وثاني أعظم قائد، وفقًا لنفس الجريدة.

بدأ «جاك ما» حياته براتب شهري 12 دولارًا، لكن ثروته اليوم تعادل تقريبًا 30 مليار دولار؛ نلخص كذلك أهم النقاط لنجاح القائد «جاك ما» فيما يلي:

العقلية العالمية؛ في بداية شبابه كان يذهب في جولة تستغرق تقريبًا ساعة ذهابًا، وأخرى إيابًا فقط لتعلم اللغة الإنجليزية، كان يعرض خدماته باعتباره مرشدًا سياحيًّا مجانيًا، فقط لممارسة اللغة، وتعلم المزيد منها.

الإصرار والعزيمة؛ يروي «جاك ما» مبتسمًا كيف رسب خلال الدراسة الأساسية أربع مرات، وكيف رفضته جامعة هارفارد عشر مرات، وكيف ذهب وآخرون للتقدم للتوظيف في أحد المطاعم الشهيرة؛ فيُقبل الجميع، ويتم رفضه هو وحيدًا، ولم يكن ذلك بجديد عليه، فذهب قبل ذلك، وخمسة آخرين للتقدم لكلية الشرطة، فيُقبل الجميع ويرجع وحيدًا.
بالرغم من كل العوائق والتحديات السابقة إلا أنه كان يثق بقدراته، والتي جعلته اليوم على ما هو عليه.

الموهبة الحقيقية في اقتناص الفرص أو صناعة فرصتك الخاصة؛ في بداية عمله كمترجم قام بتصميم موقع إلكتروني لنشر أعماله، والحصول على المزيد من المال؛ ففوجئ على الفور بالكم الهائل المطلوب منه؛ فأدرك وقتها أنه في عصر العمل إلكترونيًا لا يدويًا، فجاءت من هنا فكرة بوابة «علي بابا»، وشعارها «افتح يا سمسم».

لا للوسطية في التوظيف؛ كان للقائد سياسته الخاصة في التعيين، فكان يدفع الكثير لذوي الخبرات، والكفاءات العالية، ويقوم كذلك بتوظيف الشباب صغار السن ذوي الحماس، والنشاط، والطموح، ويحثهم دائمًا على الانخراط في العمل سويًا؛ ليتعلم الشاب الطموح من صاحب المهارات، والكفاءات العالية، فلا مكان بينهم للوسط؛ إما أن تُعلّم وتكون مثابرًا، أو تكون مثابرًا وتتعلم لتعلم غيرك فيما بعد.

جاك ما

جاك ما

في المحطة الأخيرة من رحلتنا، قد نذهب قليلًا إلى الهند، والاستماع إلى الأب الروحي لهم القائد «غاندي»، وبمرور سريع على السيرة الذاتية له، قد نستخرج بعض العوامل، والسمات الهامة للقادة كما يلي:

البيئة المحفزة للقيادة؛ وُلد «غاندي» في أسرة سياسية لها آراء، وتدخلات سياسية؛ مما أدى إلى نبوغه على المستوى السياسي، وكذلك اهتمت عائلته بالجانب الأخلاقي له؛ مما كان له دورًا واضحًا في سلوكيات وأخلاقيات «غاندي»، وأخيرًا زواجه المبكر؛ مما قد يكون أثرّ عليه في تحمل المسئولية مبكرًا، وإحساسه بالاستقرار كذلك.

القدرة على التحليل من أهم السمات القيادية؛ نرى ذلك أثناء مواجهة «غاندي» للاستعمار البريطاني في الهند، وبالرغم من إصرار مواليه على التدخل المسلح، إلا أنه أدرك أن الحل المسلح مع جيش من أقوى جيوش العالم في ذلك الوقت، يؤدي إلى الهلاك الفوري.

الشجاعة والجرأة؛ ونرى ذلك في ذهاب «غاندي» فورًا إلى بريطانيا، لعرض مشكلته، ومشكلة بلاده في مواجهة الاستعمار الغاشم، وتحريك القضية، ووضعها على الطاولة العالمية.

الذكاء في التعليق والرد على الآخرين؛ عندما سُئل في بريطانيا هل يليق برئيس، أو متحدث رسمي باسم الهند أن يأتي بملابس شبه عارية؛ فرد على الفور جئت إليكم شبه عارٍ؛ لأني جئت من بلاد أصبحت كلها عارية، بسبب الاستعمار.

القيادة الملهمة؛ كادت الهند تغرق في حرب أهلية كبيرة بين المسلمين والهندوس، فنجد أن قتالهم بدأ بالفعل إلا أن تدخل «غاندي»، وأعلن صيامه، وإضرابه عن الطعام، إلى أن يتوقف القتال؛ فبسبب حبهم لقائدهم، وإلهامه لهم، توقف القتال فورًا، وعادت البلاد إلى سكونها.

الإبداع والتفكير خارج الصندوق؛ زادت الحكومة الإنجليزية أسعار الملح، زيادة مبالغًا فيها، لا يتحملها المواطن الهندي؛ وعلى الفور قام «غاندي» بما أسموها «مظاهرة الملح»، وتوجهوا إلى البحر، واستخرجوا الملح منه.

القائد قدوة مشاركة عن اقتناع؛ نجد امرأة بسيطة يومًا ما تطلب من «غاندي» أن ينصح ابنها بالابتعاد عن السكر؛ فهو مريض، وقد يموت، فلم ينصحه «غاندي» بذلك إلى بعد مرور شهر كامل، وذلك حتى تخلص هو نفسه من حبه وشهوته فى أكل الكثير من السكر، فهو لا ينصح ولا يطلب ما لا يفعله هو شخصيًا.

غاندي

غاندي

إذا انجرفنا قليلًا بعجلة القيادة من الأشخاص القادة إلى البلاد القادة، نندهش كيف تحولت اليابان من دولة في القاع عقب قنبلة هيروشيما إلى ثالث أقوى اقتصاد عالميًا بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين؟! كيف تحولت من لا تملك أي موارد طبيعية كالبترول أو أي موارد تساعدها لتنشيط السياحة إلى أكبر دولة دائنة لدول العالم؟ كيف استطاعت من لديها فقط بعض الأسماك، وقليل من الأرز، بجانب بعض البراكين والزلازل إلى صاحبة أكبر شركة على مستوى العالم لتصنيع وبيع السيارات «شركة تويوتا»؟!

قد يكون السر باختصار في البشر، وتواجد البيئة المحفزة للقيادة؛ فالتعليم في اليابان – على سبيل المثال – يوضح مدى اهتمامهم بالأخلاق، والتكنولوجيا، وتعلم اللغات، وإن دل يدل على أنه صُمم لصناعة، وتربية القادة.

وأخيرًا إذا تركنا جزيرتي الأشخاص والبلاد، وذهبنا إلى جزيرة الشركات، فهل توجد كذلك شركات قادة؟ وكيف نتعلم منها، وما قصتها؟ ولنأخذ – على سبيل المثال – شركة «سامسونج»، وريادتها للتكنولوجيا، والإلكترونيات عالميًا، ونتعلم منها بعض السمات القيادية كما يلي:

نولد صغارًا لنكبر لا العكس؛ لا عيب في الطموح، ولكن العيب في استعجال النجاح دون صبر، فلنتأمل سويًا كيف بدأت «سامسونج» صغيرة عام 1938؟ وكانت تعمل فقط فى مجال تصدير الفواكه والأرز، ثم آلت إلى ما هي عليه اليوم، وأصبحت واحدة من أكبر الشركات على مستوى العالم في تصنيع وتصدير التكنولوجيا.

العلاقات أساس النجاح؛ في عام 1951، وعقب الحرب العالمية الثانية عانت «سامسونج» الكثير من المشاكل التي كانت قد تؤدي إلى نهاية أسطورة «سامسونج»، ولكن يرجع الفضل في بقائها إلى علاقات الشركة في ذلك الوقت، سواء السياسية، أو الإعلامية، أو علاقتها بالجمهور، والعملاء كذلك.

التغيير والتطوير حتمي؛ مع بداية السبعينيات، وغزو التكنولوجيا للعالم؛ أدركت «سامسونج» ضرورة التغيير من نشاطها، ومواكبة العصر، بل ريادته.

التخصص والتنويع مكملان لبعضهما البعض؛ في عام 1997 وجدت «سامسونج»، أنه من الأفضل الاستغناء عن بعض قطاعات الشركة، وبيعها، والانتقال إلى التخصص فقط في مجال الإلكترونيات، ولكن داخل ذلك التخصص لا بد من التنويع، وإنتاج العديد من المنتجات؛ لخدمة كافة الأذواق؛ ومن هنا جاء التميّز، وريادة سوق التكنولوجيا في العالم.

عزيزي القائد؛ أعلمُ أن الرحلة كانت طويلة وشاقة، ولكني أتمنى لو كانت ممتعة، وأتمنى كذلك أن تساعدني في تربية وتصعيد جيل من القادة، ينهض بأم الدنيا، ثم بالأمة العربية، ومن ثَمَّ العالم أجمع.

سواء كنا قادة أو لم نكن الجيل القادم – وأقصد بالقادم فور انتهائك من قراءة ذلك المقال -، نحتاج لجيل قادم كله قادة، نحتاج لبعض القادة في الأعمال الإدارية، وقادة عسكريين، وقادة مفكرين، وقادة في مجال العلوم، نحتاج لقادة، ومن ثم قادة تقود القادة؛ للنهوض بأمتنا، وإعادتها في مكانتها الطبيعية.

وإنني لأشعر بالخجل من نفسي، عند بحثي عن أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ، وقراءة الكثير من سير الناجحين، على مر العصور؛ لأصطدم بالكاتب «مايكل هارت» في كتابة عن أعظم مائة شخصية على مر التاريخ؛ لنجد أن أعظم قائد، وقدوة، والأكثر تأثيرًا في العالم أجمع على مر التاريخ، هو رسولنا سيدنا محمد – عليه أفضل الصلاة والسلام – لنجد في سيرته أعظم منهجية، لنعتمد عليها في صناعة قائد القادة.

أخيرًا؛ وقبل الفراق قد نحتاج لرحلتنا القادمة أثناء البحث عن قائد القادة، ومنقذ الأمة إلى المرور على ثلاث محطات رئيسية وهي:

اكتشاف القائد؛ علينا البحث في كل مكان عنهم، البحث في الأطفال، والتلاميذ، والموظفين، والمديرين، والمدرسين، والعمال. باختصار البحث عن أي فرد قد يوجد فيه بوادر القيادة؛ وذلك باستخراج السمات التي وجدناها في القادة السابقين، مثل؛ «القدرة على التحليل، والشجاعة والجرأة، والإبداع والابتكار، والمثابرة والعزيمة، والأخلاق، والكاريزما، والعقلية العالمية، والذكاء في الرد على الآخرين… وهكذا إلى ما لا نهاية من الصفات المطلوبة في قائد القادة».

تربية القائد؛ على كل مرب فاضل، سواء في بيته، أو عمله؛ تربية الصغار على القيادة من الآن، وتعريفهم بأهمية تواجدهم في المستقبل؛ وذلك من خلال تغيير قناعتهم تجاه وطنهم؛ فالوطن كما يأوينا يحتاج إلى من يأويه وينهض به. كذلك علينا تنمية مهاراتهم على القيادة، وتحويل الاهتمامات لديهم من اهتمامات لا قيمة لها، إلى غاية واضحة ومحددة نسعى لها سويًا.

تدريب القائد؛ كلنا نعرف أن التعليم الأكاديمي وحده لا يصنع قائدًا، وكذلك التربية القيادية وحدها لا تشفع، فإن كنا نعلم ذلك؛ فقد يكون التدريب والاقتراب أكثر إلى الواقع العملي هو الحل.

مطلوب من قادة المستقبل اجتياز بعض الدورات التدريبية، التي تساعدهم على ما هو قادم، قد تكون دورة تدريببة على القيادة بشكل عام، أو لمزيد من التخصص هناك دورات في التخطيط الاستراتيجي، والإلقاء، ومهارات التواصل، ومهارات التفاوض، والعمل بفريق عمل، وإدارة الاجتماعات، وإدارة الوقت، وإدارة الذات، وغيرها الكثير على حسب القائد المرجو.

أرجو من الله – سبحانه وتعالى – أن يساعدنا في صناعة قائد القادة، وأن يوفقه لما يحبه ويرضاه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد