على الرغم من أني فلسطيني الجنسية إلا أنني ولدت في مصر، وعشت فيها، وشربت من نيلها، ومشيت في شوارعها، وغنيت لها، ولو سألتني أنت مصري سأقول لك «أنا مصري وابن مصري وكل مصري الله عليه».

من الآخر كل ما قالته شيرين أو نانسي عجرم ينطبق عليّ، فهنالك حالة من الارتباط الوجداني بيني وبين شوارع مصر رغم عشوائيتها، هنالك حالة من التفاؤل تملأ وجداني رغم كل «العك» الذي نعيش فيه، أعتقد أني الوحيد المتفائل وسط الشباب المصري.

كل أصدقائي..أقاربي..الشباب كلهم، منتظرون لحظة سفرهم من المحروسة، إلا أنا، تجد الواحد منهم يقول لي «لو جاتلك فرصة سفر هتسافر؟» فأرد بكل حزم: «لأ طبعا.. مقردش أعيش برة مصر».

فترسم على وجوههم علامات التعجب ويسألونني «بتحب فيها إيه الله يخرب بيتك ده أنت حتى مش مصري».

فأرد عليهم وأقول لهم «أنا مقدرش أسيب الحاجات دي»:

1) الاحتواء

تتجلى أسمى لحظات الاحتواء في حياتي عندما أقرر أن أركب أي مواصلة عامة في شوارع مصر، فمثلا إن وجدت أوتوبيس النقل العام بنسبة 99% لا أجد مكانا فيه، فلا حل إلا الوقوف بجانب الشعب المصري في «طرقة الأوتوبيس».. بنسبة تقديرية حسب آخر إحصائية تقول بأن تعداد البشر المتواجدين في طرقة أتوبيس النقل العام 20 مليون مواطن، هذا بخلاف الجالسين على المقاعد، فعندما تقف لمدة ساعة بجانب ربع الشعب المصري، أعتقد أنه احتواء ما بعده احتواء، هذا النوع من الاحتواء يسمي الإحتواء الوجداني.

فإذا أردت أن أكلمك عن الاحتواء الجسماني، بمعنى أننا نكون كالجسد الواحد، متلاصقين كالطوب الأحمر المرصوص بعضه فوق بعض، فسأكلمك عن ما يسمى «التوكتوك».

ف

في العادي «التوكتوك» يتكون من كرسي القائد وهذا في الأمام، أما في الخلف فتوجد «كنبة» صغيرة تكفي لشخصين بالغين، هذه الحسبة نظرية، لكن فعليا على أرض الواقع، فهناك اثنين يجلسون بجانب سائق «التوكتوك»، و3 أشخاص في «الكنبة» الخلفية.

ذات مرة جلست في إحدى «التكاتك» وبجانبي مواطن، فقلت للسائق «مش يلا بقى ولا إيه ورايا شغل»، فقال لي «لا يا أستاذ مش همشي غير لما أجيب خمسة كمان»، فقلت له : «يا ابني خمسة إيه مفيش مكان في الكنبة وإحنا اتنين بس هتحط الخمسة فين؟!»، فقال لي «حضرتك طخين شوية لا مؤاخذة انزل خد تاكسي وسيبني أجيب الخمسة عشان أتكل على الله أنا».

فنزلت ساخرا وعيني تقول له في صمت «وريني هتجيب خمسة إزاي»، لكن بالفعل وجدت بداخل التوكتوك ما لا يقل عن سبعة أشخاص، وهذا ما يسمى «الاحتواء الوجداني».

2) التكافل

في مرة من مرات عملي مندوبا للمبيعات، ضللت الطريق في إحدي المناطق الشعبية، وتملكني الجوع ولم يكن في جيبي سوي «20 جنيه» فأي أكلة تكلف 10 جنيهات في زماننا هذه، إلا أن في عز يأسي وجدت سيارة طعام تسمى «كبدة عبدو نجاسة».. فسألته بكم «سندوتش الكبده ؟!»، قال لي «جنيه واحد بس».. فأصابني الذهول وقلت له والفرحة تملؤني «طب هات 6 سندونشات»، فوضع أمامي السندوتشات، فوجدت الرغيف مليئا بكبدة بطريقة مبالغ فيها، فخفت قليلا وسألته «عم عبدو هو إزاي الرغيف بجنيه ومليان كبدة بالشكل ده هي دي كبدة إيه».. فرد عليا «أهم حاجة تقوم شبعان مش مهم كبدة إيه خليها على الله»، وهذا ما يسمي «التكافل». ستنام وأنت شبعان لا يهم ما أكلته ولن تدفع كثيرا لا قلق فـ«التكافل» متواجد بكثرة وأرخص من لحم البقر بكثير.

ف1

3) الستر والرضا

الشاب في مصر ليس أمامه سوي أن يكون «راضيا»، «محتسبا»، «عابدا»، غير ذلك سيموت منفجرا من الكبت، الأمور أصبحت لا تطاق، جرام الذهب تخطى 500 جنيه كيف أتزوج؟! «ولد تتجوز إيه أنت لسه صغير». لا يوجد عمل وإن وجدت الراتب لا يكفيني. «ولد شغل إيه اللي أنت بتطلبه أنت عايز تتخرج تلاقي شغل على طول فين الجهد والاجتهاد؟!».

أسعار العقارات أصبحت مرتفعة كيف أشتري شقة لأتزوج وأقل شقة بـ 150 ألف جنيه؟! «لا أنا شايف أحلامك وسعت أوي أنت عايزنا زي سوريا والعراق ولا إيه ؟!».

ف2

مهما تحاورهم لن تصل لشيء، فالتزم الستر والرضا ولا تنس الصبر.

و أخيرا أضع يدي على كتفه وأقول له: «بقي بعد كل الحاجات دي عايزني أسافر وأسيبها؟!».

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ام الدنيا, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد