في كل خطبة عن الوطنية، نجد الحديث عن حضارة 7 آلاف سنة، وأن مصر هي من علمت البشرية وضع القوانين وتنظيم الجيوش، وهي هبة النيل، ومذكورة في القرآن، ومن ثم مرعية برعاية الرحمن.. إلخ.

الربط بين هذه المقومات والوطنية قد يُظن أنه إن لم يكن مفيداً، فعلى الأقل لا يحمل ضرراً، إلا أنه يحمل أضراراً متراكمة كالتالي:

 

مفهوم الوطنية:
أولاً: إذا كنا نحب وطننا للأسباب سالفة الذكر، فماذا يجعل الصومالي يحب وطنه؟! فلا تاريخ ولا ثروات ولا حضارة ولا ذكر في القرآن! فإما أنه لا داعي لحب وطن مثل الصومال، وبذلك تقتصر الوطنية لحوالي عشر دول على الأرض أولهم مصر! أو أننا لم نكن نتحدث عن الوطنية بمفهوم عام، بل اقتصرنا الوطنية في حب مصر فقط، وليس حب الوطن عموماً.

 

ثانياً: يُشجع الجنود بأن هذا العدو ضعيف الإرادة؛ فليس لديه الإيمان الذي لدينا، ولا يحب وطنه مثلنا! وبذلك نضع أنفسنا محورًا للكون، فلا إيمان إلا إيماننا، ولا وطنية إلا وطنيتنا، وتناسينا أن كل الناس يحبون أوطانهم مثلنا تماماً، والبوذي يتعصب لدينه مثلنا تماماً، وربما أكثر.

 

ثالثاً: إذا كنا نحب وطننا لأن تاريخه مشرف، فلماذا يحب الأمريكي وطنه؟! الأجدى به أن ينظر لتاريخه ويتبرأ من وطنه. لا يعنينا الأمريكي بقدر ما يعنينا المصري الأمريكي (مزدوج الجنسية)، أو الأمريكي المسلم، فكلاهما نجد في انتمائه لهذا الوطن نقيصة، وربما نراه متعارضاً مع الدين، فلا يتصور البعض مسلمًا مجندًا في الجيش الأمريكي يضحي بحياته فداءً لوطنه! ومن هنا تظهر قيمة أن تُوضع الأمور في نصابها؛ ونجيب على سؤال: لماذا نحب وطننا؟

 

أثناء حرب 6 أكتوبر سأل مذيع أمريكي السادات: لماذا يضحي المصريون بحياتهم ليحافظوا على رمال لم يستفيدوا منها أصلًا؟ وأجاب السادات ما مفاده: نحن لا نحارب على رمال، بل نحارب على عِرض وشرف.

 

يُعد الحفاظ على الوطن حفاظاً على العِرض والشرف، فلا تبقى نخوة في رجل يُسرق منه وطنه ويسكت! لكن لماذا كل هذه القيمة لحفنة من التراب، هل في التراب نفسه قيمة؟

 

ببساطة هذا الوطن عِرضي وأفديه بحياتي، فقط لأنه وطني. يتطابق إحساس الوطنية مع الأمومة؛ فلا تحتاج أمي لمميزات عن سائر الأمهات لأحبها، بل أحبها فقط لأنها أمي. لذلك يقول علي بن أبي طالب: “ليس بلد أحق بك من بلدك، خير البلاد ما حملك”. ويكفي هذا المعنى البسيط ليحمل كل معاني الولاء والتضحية لأجل الوطن، بل حفنة من ترابه.

 

مذكورة في القرآن:
تعاملنا مع القرآن بالشبر وليس المعنى جعل البعض يفتخر بوجود لفظ (مصر) في القرآن عدة مرات، في حين أن سبب ذكرها لم يكن مدحًا، بل في سياق قصص! ويؤكد البعض أن الله يرعى هذا البلد لأن اسمها مذكور في القرآن، في حين أن المسجد الأقصى قد ذُكر في القرآن ممدوحًا، ومازال محتلًا!

 

كون أمي مميزة عندي، فذلك لأنها أمي، ولا يعني ذلك أنها مميزة عند الله عن باقي الأمهات، هي عند الله كأي أم، هذه هي الحقيقة وإن كانت غير عاطفية! كذلك هذا التراب عندي يعني عِرض وعرق أجداد، أما عند الله فكل الأراضي تراب كغيرها، ولا يولي الله اهتمامًا بالحدود الحغرافية. تلك هي الحقيقة، وإن كانت غير عاطفية!

 

صحيح أن النبي قال عن مكة: “إنك أحب بلاد الله إلى الله” إلا أن ذلك استثناءٌ، اصطفاها الله – كما اصطفى أزمنة كرمضان، وأشخاصًا كالرسل– بغرض الاقتداء؛ لتسود روحانيات مكة كل البلاد، لكن ما عدا ذلك، فكل الأرض كغيرها، يحفظها الله إذا حفظها أهلها، ويهلكها بفعل أهلها.

 

علَّمنا البشرية:
مَن أول من اخترع الكاميرا؟ يعتقد حوالي خمسة شعوب أنهم أول من اخترع الكاميرا! وكلهم صادقون، وفي الوقت نفسه كلهم كاذبون؛ لأن اختراع الكاميرا مرَّ بمراحل عديدة؛ ومجهود كل بلد حلقة في سلسلة طويلة. هكذا معظم الاختراعات والاكتشافات، واختراعات كثيرة تدَّعي معظم الشعوب في نفس الوقت أنها أول من صنعتها!
تصيُّد أخطاء وتجاهل أخطاء:وإذا افترضنا مجازًا أننا كنا ولا كان غيرنا، فيا ليت مصر خلت من حضارة 7 آلاف سنة لنعرف قدرنا الآن؛ فكل هذا التاريخ أصبح مخدِّرًا، فبعضنا يفتخر في 2014 بآخر إنجازات المصريين سنة 400 قبل الميلاد!

 

تمتلئ الكتب بإحصاءات وتقارير تثبت أن الغرب – رغم تقدمه الاقتصادي والعسكري والعلمي – إلا أنه ينهار، ويحاول كُتَّاب كثر إقناعنا بأننا أفضل منهم، ولو خُيّر المصريون بين حياة الغرب المنحلة وحياتنا المطمئنة لاخترنا الحياة في أبسط قرى مصر!

 

ويكفي لدحض هذه المجلداتِ المئاتُ الذين يلقون بأنفسهم في البحر في مخاطرة إما إلى الموت أو دولة أخرى، المهم أن النهاية خارج هذا البلد! لكننا– بحسن نية كي نزيد من وطنيتنا – كذبنا على أنفسنا، وتصيَّدنا كُتّابًا مغمورين أو إحصاءات عادية عن الغرب وهوَّلنا من واقعهم، وتجاهلنا واقعنا الذي لا تحتمله إحصاءات الغرب المرهفة.

 

مثلاً يذكر د.علي جمعة في (البيان) إحصاء بعدد النساء اللاتي تعرضن للضرب في أمريكا، ووصل العدد إلى آلاف في عام واحد. ونسي أن هذا الإحصاء إن تم في مصر سيبلغ عشرات الآلاف في يوم!

 

وبخصوص تجاهل أخطائنا: في 67 حاربت إسرائيل فلسطين ومصر والأردن وسوريا معاً في 6 أيام وانتصرت، بينما في 73 حاربت مصر وسوريا معًا إسرائيل، وبالكاد تعادلتا معها. نتائج التاريخين تقتضي أن ندرس ونحلل أسباب النكسة بالتفصيل المبين، مع العزة التي تليق بحجم انتصارنا في 73. إلا أننا حذفنا التاريخ الأول، وضخَّمنا الثاني!

 

أساطير:
الطفل المصري أذكى طفل في العالم، الله يرعى هذه البلد بالذات، شعب متدين بطبعه، مصر بها خير يكفي الدنيا كلها، الشقيقة الكبرى.. إلخ. شنت إسرائيل حربًا دامية مفجعة على غزة، لم تدعُ مصر –الشقيقة الكبرى– إلى اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية، فدعت إليه قطر، عندئذ امتنعت مصر عن الحضور، وأقنعت الرئيس الفلسطيني بعدم الحضور، ففشل الاجتماع. وكل ذلك لماذا؟ مَن قطر هذه لتحتل مكانة مصر؟

 

مكانة مصر ليست وراثة؛ هذا الشعب عبر تاريخه تقدم على العرب، مما جعله في الصدارة، أما الآن فعلى الجميع أن يدرك أننا تأخرنا وتقدم غيرنا، فلا غضاضة إذا اعترفنا بعجزنا وتفوق غيرنا، إحقاقًا للحق، وترفعًا عن تعصبات جاهلية.

 

بهذه الأساطير آمنا بخرافات؛ فلا نعرف أصلا ليقتنع الناس أن الطفل المصري هو أذكى طفل في العالم لمجرد أنه وُلد على هذه الأرض! كما أننا عزلنا أنفسنا عن العالم؛ فلا يزال كثيرون يرون الخليج عبارة عن خيام، وأننا أسيادهم!

 

سمعة مصر:
كلما صدر فيلم يُظهِر واقع مصر، قوبل بالردح الشهير: بيسوء سمعة مصر!  لكن لهذا الردح منطقه: إن كنا نحب هذا الوطن لتاريخه وسمعته، فبديهي أن أي نقد لهذا التاريخ هو تحطيم لوطنيتنا. لكن يبطل هذا المنطق إذا وضعنا الأمور في نصابها الطبيعي؛ فلكل وطن: شعب، وحكومة، وتاريخ، وأرض.

 

القاعدة: أن كل بشر يؤخذ منه ويُرد. لذا فلا مشكلة إن انتقدنا هذا الشعب. ولما كان التاريخ تصنعه الشعوب، فلا مانع أن ننتقده أيضًا. أما الحكومات فالأصل هو مراقبتها وانتقادها. أما الأرض فهي الوحيدة التي لا تصيب ولا تخطئ، لذا فكل انتقاد يوجه إليها، يُعد سبًا، يُحتم على شعبها الدفاع عنه، أما ما دون ذلك فهو نقد طبيعي، بل ضروري.

 

ويظهر هذا الخلط بين المقدس والمنتقد في الوطن في صورة أخرى؛ فكلنا سمع كثيرين يسبون مصر! في حين أنهم في الحقيقة يسبون حكومة، فهذا اللغط جعل البعض يسب المقدس ويتورع عن انتقاد المخطئ!

 

الواقع:
الآن نحن ألَّفنا مفهومًا خاصًا للوطنية، فلا وطنية إلا لدينا. ارتكنا على عناية الله لهذه الأرض. أضفنا أساطير لنزيد وطنيتنا. اكتفينا بسرد أمجاد الماضي. تصيدنا أخطاء أعظم الدول، وتجاهلنا أبشع أخطائنا. صنعنا سياجًا على أخطائنا حتى لا نُنتقد.

 

الحقيقة المجردة: يتكون مثلث التخلف من: مرض+جهل+فقر.

 

ومصر تحتكر الأضلاع الثلاثة!
– إحصاءات الجرائم والمخدرات (قبل الثورة وبعدها) مفجعة!
– بصرف النظر عن نسبة الأميين، فمعظم الشعب لا يعرف كيف يفكر أصلاً!
– بصرف النظر عن أعداد المرضى، فمعظم الشعب مريض ولا يعرف أصلاً، مما يعني أن إحصاءات المرضى يجب أن تضاعف!
– هذا الشعب ليس متعايشًا وأفضل حالاً من العراق أو سوريا، لكنه لم يُختبر باختلافات دينية مثل العراق/الهند/أمريكا، وتشير التنبؤات أن هذا الشعب يحمل مقومات الإرهاب والتعصب، وهي نتائج طبيعية للجهل.

 

في ظل هذا الواقع المفجع، لا يمكن تجميله، بل يجب كشف غطاء الوهم عنه لمواجهته، مواجهته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد