من بيتنا إلى سجن الأبعدية، تستغرق السيارة ساعة ونصف تقريبا. كنا في طريقنا أنا وأمي لزيارة أبي في محبسه، طلبت أمي مني قلما وورقة لأنها تريد أن تخط «جوابا» لأبي. لم تتحصل أمي على درجة عالية من التعليم، وإنما قدرًا متوسطًا منه، يليق بفتاة ريفية تكبر إخوتها جميعا، وتزوجت وهي في مطلع عشريناتها. رحت أراقبها وهي تكتب كلمات يسيرة بخط غير منمق وإنما اندماج تام وفقط، كأن كل جوارحها تتسابق لتسكب إحساسها على الورقة، تكررت كلمة «بحبك» كثيرا. عندما فرغت أمي أخبرتها بصوت خفيض «تعرفي أنا بتمنى أتجوز بنت تحبني زي مابتحبي بابا»، ابتسمت في دلال وهي خجلة، كانت المرة الأولى التي أراها تكتسي بهذا الحياء العذري، ردت «أنت ابن حلال وربنا هيرزقك».

كثيرا ما تتكرر كلمة الحب في حواراتنا وتجمعاتنا، في الروايات والأفلام، وحتي في المدونة الشعرية للعرب يعد الحب ومتعلقاته وأحواله ومشتقاته اللفظية هي الأكثر تكرارا على الإطلاق. فالحب هو الموضوع الذي لا يُمل من الحديث فيه، ومهما زاد فيه الكلام فهو ناقص، ومهما تكررت العبارات والجمل فهي جديدة بنت لحظتها وسيدة أوانها.

تكمن روعة الحب في أنه التجربة الوحيدة، مع الموت والولادة، التي يمكن أن يعيشها جميع البشر على السواء. وعندما كان من المستحيل الحديث عن مشاعر تجربتي الولادة والموت، فإن تجربة الحب هي ملاذ كل الألسنة ومأوى كل الأفئدة ومسرح لجميع الكلمات والتعبيرات. إن روعة الحب ولذته هو في تلك الذاتية التي يمنحها لأي إنسان يخوض في غمار تجاربه، فكل عاشق ينغمس في لذة مشاعره حتى ليحس أنه الوحيد، من بني البشر، الذي عرف معنى الحب وذاق حلاوته، تائها في تلك الحالة من إحساسه بتميزه عن البقية، آخذا في غزل كونه الخاص، منتشيا بفردانية الحب الذي لامس قلبه كما تلامس أشعة الشمس أنسجة برعم صغير، لأول مرة، بعدما شق باطن الأرض، معتقدا أنه البرعم الوحيد على سطحها، وأن شعاع الشمس خلق له وحده.

وعلى الرغم من تشابه قصص الحب وحالاته، فإن ذلك الإحساس من الفردانية والتميز هو مايجعل كلمات الحب ومشاعره متجددة في قلب كل شخص، يعبر عنها بأفكاره كما فهم هو وعاش، حتى لأنه قد يختلف الناس جميعا في تعريفهم للحب، كل حسب حالته وتجربته الشخصية التي قد مر بها. ولكني أجد أقرب تعريف إلى قلبي هو قول الشاعر
«تسائلني ما الحب قلت عواطف … منوعة الأجناس محلها القلب».
عواطف شتى ومتنوعة، القلب محلها، وهو مبتداها ومنتهاها، وهي على تنوعها واختلافها إلا أنها تخلق مزيجا فريدا وحالة متفردة؛ حالة تستحق الحياة والوقوف عندها واستقبالها بصدر رحب وقلب متلهف، أو كما تقول  الأغنية تعبيرا عن روعة تلك الحالة .. «افرح واملا الدنيا أماني … لا أنا ولا أنت هنعشق تاني».

وبعدما نعود من الزيارة المرهقة، تبدأ أمي في غسل ملابس أبي، وتطلب مني أن أشتري الحاجيات التي طلبها. تعود مرهقة جدا، إلا أنها تبدأ في قراءة وردها القرآني بعدما تجلس على السرير في مكانها وقد تركت مكان أبي فارغا. أسائلها بخُبث «بس بابا كان حلو النهاردة ياماما!»، ترد على بنبرة منكسرة: «حتى لو حلو ده مايطمنش قلقي عليه، ولا يصبرنا على بعده».

لا توجد قصة حب في هذه الدنيا لم يكن الفراق نهايتها، فالحب الذي لم تنهه الظروف القهرية، أنهاه المجتمع أو عدم التوافق أو حتى التقاليد، والحب الذي يصمد في وجه الكل، لا بد أن ينهيه الموت؛ فالحب مخلوق وفي ذيله الفراق، كالليل والنهار في تعاقبهما.

وإن كان الحب هو الحياة، فإن الفراق هو الموت. الفراق هو موت لحظات السعادة التي جمعت بين روحين تآلفا، هو موت أحلام قلبين شيداها فوق السماء السابعة، هو موت الآمال المغرية باستمرار الحياة، هو موت ابتسامة صافية ارتسمت لأجل كلمة غزل رقيقة، هو موت ذلك الارتباط الذي يقوي القلب ويخبره أنه ليس وحده في هذه الحياة، هو موت الوعود التي تبرمها المشاعر فيكشف الفراق أننا أضعف من أن نوفي وعودنا، بل أضعف من أن نقولها أصلا؛ الفراق هو موت كل لحظة أحسست فيها أنك قادر على الوصول لتكتشف أنك عاجز عن التحرك سنتميترا واحدا، الفراق هو موت جزء من قلبك، جزء عاش وتفاعل بالحب، استيقظ له ونام عليه، جرى في ربوعه وشرب من مائه، حتى صدمته حقيقة الفراق المُرة فلم يعد أبدا كما كان، حتى تحس أنك لست أنت وأن قلبك ليس هو، كإحساس «قيس» الذي جنه فراق محبوبته فأنشد

فؤادي بين أضلاعي غريب… ينادي من يحب فلا يجيب.

وإذا كان الحب يمنحنا شعورا بالتميز والتفرد عن باقي الناس، فإن الفراق يمنحنا أيضا شعورا بالتفرد، لكنه تفرد في الوحدة والألم، وهو شعور طاحن من المشاعر المقلقة، فأنت تائه متألم تشعر أن لا أحدا يحس بك أو يساندك، مهما شرحت لهم ومهما أظهروا تعاطفهم معك، فدائما ما ترتد إلى نفسك خائبا وموقنا أنه لا أحد يشعر بقلبك.

ستمر الأيام، وستتحرك قلوب بالحب، وستتألم قلوب أخرى بالفراق، لكن مسار كل المشاعر إلى التغير والتبدل، ولا تبقى في القلوب إلا الذكرى الحلوة، كما كانت تحدثني أمي، وكأنها فيلسوفة حب: «أنا وأبوك عمرنا مازعلنا من بعض، عشان كده فاكراه بذكرى حلوة دايما».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد