ابني العزيز: لم نلتق بعد ولا أدري إن كنا سنحظى بتلك الجلسة يوما، لأخبرك بهذا ولكن دعني أنصحك الحين بتلك الكلمات:

بني إن في حياتنا ومجتمعنا أمورا لا تدري كثيرا صحيحها من خطئها، وظاهرها من باطنها لكن المؤمن كيسٌ فطن.

عزيزي سوف أقدم لك بعض النصائح مما رأيت وشاهدت وإن لك لحق الاختيار.

إياك وأن تكون دمية الأقوال والآراء

عزيزي لا تستمع إلى هذا وتنفذ أحلام ذاك أو تسعى لتحقيق طموحات فلان وعلان، فإنك والله لم تخلق لهذا، وإلا لم أعطيت حق الاختيار وواجب التكليف؟، وفي النهاية تحاسب على ما قدمت أنت! لا أقول لك أن تغلق أذنيك وتسير بين الخلق مختالا متغطرسًا، وإنما اطلب النصيحة والمشورة واعقل الأمور ووازنها ثم كن أنت صاحب القرار فأنت المسؤول عنه، وتذكر أن عدم اتخاذك قرار هو في ذاته قرار، فاعقلها وتوكل.

أي بني لا تبني قراراتك على الرغبة في القبول أو الرضا أو الاعتراف من الآخرين أو حتى المديح، فقد تهلك حياتك وتنسى أهدافك وتترك مبتغاك سعيا وراء الآخرين، وهذا مطلب زائف كمن يسير ناحية بئر ماء في الصحراء حتى إذا وصل وجده سرابا فعندما تصل سوف تدرك السراب، فليس اعتراف الناس بحد ذاته غاية في الحياة ليشغل تفكيرك، وليس رضاهم ضرورة للعيش فلتصنع كيانك الخاص وكينونتك المستقلة.

لا تنصرف إلى اللهو ولا تسرف في الجد

بني سوف تقسو الحياة عليك وتريك من لياليها الطوال، وعندما تكون صاحب هدف ويكبر بك العمر ستزيد معك مطالبك من الحياة ومعها تزيد مطالبة الحياة لك بتقديم الساعات والصحة والمال، فلا تسرف في الجد فتقسو على نفسك وتنسى أن لها عليك حقًا حتى تنضب صحتك ويبلى بدنك وتُمحَ ابتسامتك وتصير آلة متحركة على وجه الأرض، ولا تنصرف إلى لهو الحياة ومتاعها الكثيف الذي سوف يبهر عينيك بلمعانه البراق وجماله الآخَاذ فهو فتنة لا مفر منها، فاقتنص منها ما أُحِل لك ولكن دون تبذير وإسراف، فلا يداهمك الوقت حتى تفاجأ بمرور العمر بغتة دون تحقيق ماجئت الأرض لأجله فتكون غايتك عبرةً لمن لا يعتبر.

مبدؤك فالزمه ودينك فاحفظه

في هذه الدنيا الواسعة سوف ترى الكثير وتسمع الأكثر منه ياعزيزي، فالفتن ألوانها تعددت والمبادئ تجزأت حتى تكسرت، والقيم صارت هشة بالية فعليك بأن تلزم مبدأك دوما، لا أطلب منك أن تنعزل عن الناس أو أن تعيش وحيدا، ولكن احفظ من أخلاقهم الحسن دوما وتعلمه وانبذ السيئ من خلُقِهم، وإن اختلط عليك الأمر فعد إلى دينك وفتش عن الصحيح فالزمه.

جميعنا نقع

لم نخلق ملائكة وإن كنت سترى مدعييها الكثير الكثير، فلا تقف مع كل خطأ حد الموت فتزيد الطين بلة والهزيمة هزائم، سيخبرك المتفائلون أن الذكي من يحول هزيمته نصرا وسيخبرك المتشائمون أن هزيتمك تعني موتك، فالحياة كالغابة.

حسنا لا أحد منهما مخطئ، ولكن الحياة ليس لها قاعدة ثابتة لتحيا عليها، فبعض الهزائم يفضل تحويلها نصرا والبعض الآخر يجب تجنبها.

بعض الفشل دروس نتعلم من الوقوع فيها، ولكن البعض الآخر يكون مجرد فشل وألم ستتذكره وربما تضحك عليه أو تذرف دمعا، لكن ما سأخبرك به أنا هو ألا تخجل من فشلك أو تشعر بالعار منه بل اشعر بالفخر بمحاولاتك وابذل جهدك الجهيد أن تحاول، فالفشل الحقيقي هو أن تستسلم يا عزيزي وتصير في حكم الميت منتظرا تنفيذ الحكم.

نخاف ونبكي

سوف يدعي الكثير من حولك أن الرجل لا يخاف أو على الأقل لا ينبغي أن يخاف، وعندما تقابل خوفك سوف تشعر بواجب وضرورة حتمية ألا تخاف، ليس هذا حقيقيا ياعزيزي فكلنا نخاف، فقط تعلم أن تتعامل مع خوفك وأن تتغلب عليه أو على بعضه.

وكما ادعوا عدم الخوف ادعوا جفاف العيون أو قُل جفاف المشاعر، فالرجل لا يبكي ولا ينبغي عليه إظهار المشاعر، لا أدري يا عزيزي من أين أتت تلك الخرافات ولربما كتبها رجل باك بدموع حزينة أو ربما فرحة، فمشاعرك هي مشاعرك خلقك الله بها ولا شيء يعيبها، فقط تعلم كيف تتحكم فيها أو تمسك بلجامها إذا ما دعت الحاجة، فلا تغلبك على أمرك وتذهب بك في مهب الريح.

أخت وأم وصاحبة

أي بني فإن الله خلق الرجل و المرأة ليكونا عونا لبعضهم سكنا وأمنا، ولم يخلق المرأة لتكون كإحدى غنائم الرجل أو ممتلكاته، فلسوف ترى وتسمع حولك من المعاملات ما يثير في نفسك الدهشة وربما يثير في تصرفاتك الاندفاع وراء مثل الذي ترى، فتصرفات الإنسان وليدة المحاكاة والمعايشة ولذا فعليك أن تعلم أن الصحيح هو ما صححه الله، فإن أردت أن تكون رجلا في بيتك فليس الرجل من صاح صوته وبطشت يده وسادت كلمته وفُرِضَ رأيه رغما، وإنما الرجل من صان الأمانة وحفظ العهد «رحمة وسكنا» وسادت كلمة المودة والمشورة، وإن سمعت أن للرجل حقوقا على المرأة فقد صدقت المقولة وكذب القائل، فللرجل على المرأة حقوق ولكنها ليست ما تراه اليوم ولا مايقصده قائلوها، وإنما هي ما شرعه الله فعد إلى شرعه. واسأل أهل العلم إن كنت سائلا والزم الحق إذا تيقنته ولا تتبع هوى قلبك فليس الحق بتابع للهوى.

أي بني كن بها رفيقا لينا فهي أخت وأم وصاحبة

أمانة فاحفظها

أي بني، إن رزقك الله يوما بأبناء فلا تعاملهم بمثل ما عاملتك به فلكل زمانه ولكل زمان محدثاته ومتغيراته، فليثبت من المعاملات ما ثبت وليتغير ما يواكب التغير من المتغيرات دون أن تفقد الأمور قيمها الأصيلة ودينها الحنيف.

تذكر ياعزيزي أن الله رزقك بهم أبناء ولم تشترهم عبيدا، ولم يعطوا لك فرصةً ثانية لحياتك الفائتة واختياراتك الخاطئة، فلا تقدم على حياتهم فتقوم برسمها كمن يرسم لوحة فنية، فإن بدت لك في غاية جمالها -تلك اللوحة التى رَسمت- فليس من الضرورى أن تروقهم، فتذكر أنه كما لك حق الاختيار وأن عليك أن تحفظه لنفسك فهم أيضا لهم نفس الحق وعليك أن تحميه لهم وتعينهم على حفظه فتكون ناصحا أمينا.

أي بني  ليس هناك ما هو أصعب من التخلي عن دورنا مع أبنائنا في بعض الأحيان ولكن عليك دوما أن تتذكر أن دورنا يتغير بتغير الزمان والعمر، فبمرور العمر سيكون عليك تغيير المعاملة لتناسب عقولهم وتتماشى مع عمرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد