لم يكن لدينا أوقات محددة للعمل، نستيقظ من النوم في الصباح لنذهب إلى المكتب الذي لا نغادره إلا من أجل الذهاب للنوم عندما يسمح الظابط المسئول بذلك. كان التلفزيون هو النافذة الوحيدة لنا على ما يجري بالخارج من صراعات وأحداث سياسية يشهدها المجتمع المصري خلال فترة كانت مليئة بالأحداث والاضطرابات التي آلت إلى كثير مما نشهده الآن.

أجلس أنا وزملائي بالمكتب لمتابعة أحداث مظاهرات مجلس الوزراء التي استمرت لعدة أيام وقُتل خلالها عدد من المتظاهرين، من بينهم الشيخ عماد عفت، الذي أصيب بطلقة مجهولة المصدر والهوية حتى الآن. تعرض الشاشة إحدى الفتيات ملقاة على الأرض بينما يلتف من حولها حفنة من جنود الجيش يقومون بسحلها على الأسفلت ودهسها بالبيادات العسكرية، مما أدى إلى تعرية جسدها في الشارع أمام عدسة إحدى الكاميرات.

 

بالطبع مشهد مثل ذلك كان يحتاج إلى تعليق من أحد جهابذة الإعلام المصري الحاصلين على ماجستير من جامعة “BigAss” في فك طلاسم المؤامرات الكونية والكشف عن المخطط الصهيوماسوني الذي يقف دائمًا خلف كل حدث. بالفعل لم تمر بضع ساعات حتى انطلقت فعاليات ماراثون “كيف تصبح كائنـًا قذرًا” بين عديد من الكائنات الفضائية المتنكرة في زي إعلاميين مصريين.

وبدأت التفسيرات الجهنمية في سبيل تبرئة المؤسسة العسكرية تنهال علينا كالمطر، حتى استطاع أحد الجهابذة من تحديد هوية الفتاة المخابراتية من خلال لون ملابسها الداخلية واكتشاف دليل قاطع على وجود دخيل بين أفراد الجيش لعدم ارتدائه بيادة عسكرية.

هناك أيضًا ذلك التفسير ذو العلاقة الوطيدة بالهوية المصرية والذي يستهدف شريحة واسعة من مشاهدي الإعلام المصري عن طريق إدانة الفتاة في مثل هذه المواقف وتحميلها مسئولية جميع ما حدث؛ لأنها هي من استفزت الجنود بعدم ارتدائها ملابس ضد الخلع أو درع فولاذي تحت “العباية أم كباسين”.

 

تلك هي الرواية التي تلقى استحسانـًا داخل المجتمعات القادرة على قتل أية فتاة معنويًا قد قررت الصراخ في وجه مغتصبيها. في النهاية يجب إظهار هذه الفتاة كشيطان رجيم جاء إلينا من كوكب الشر لتشويه عظمة المؤسسة العسكرية وتعكير صفو العلاقة الحميمة والهادئة والمستقرة بين الشعب وجيشه.

 

لا أخفي عليكم، لم أكن قادرًا على تصديق ما أراه أمامي من ضرب الجنود للفتاة بتلك العداونية غير المبررة، فأنا مجند في القوات المسلحة ولم أشهد مثل تلك الطريقة في التعامل مع المتظاهرين. كنت أنا وزملائي في حيرة من أمرنا إلى أن قرر بعضهم تصديق التفسيرات المريحة بمنظورها المؤامرتي للأمور حفاظـًا على حميمية الانتماء الذي يربطهم بالمؤسسة العسكرية. استطاع عكاشة ومن على شاكلته تقديم نموذج مؤامراتي للقصة برمتها لمن يبحث عن تفسير يريح ضميره.

فقط تخلّ عن عقلك لبضعة دقائق ثم قم بترديد ما تسمعه: “لابسة عباية بكباسين عاللحم”، “لابسة مايوه بكيني تحت العباية”، “هي اللي استفزتهم”، “إيه اللي وداها هناك؟”، مبروك، أنت الآن مواطن صالح، لا يوجد ما يستدعي محاكمة أي شخص الآن.

كان ذلك منذ أكثر من ثلاثة أعوام، أُغلقت القضية ولم نسمع عن تلك الفتاة شيئـًا بعد ذلك.

“تسير الأحداث على مدار الخط الزمني أحيانـًا بوتيرة متشابهة إلى حد يدعو إلى الارتباك والوقوف أمام ذلك الشعور الغريب الأشبه بالظاهرة المعروفة باسم (ديجافو) ثم إثارة تساؤلات لا تبحث عن إجابة من قبيل هل ما نراه الآن قد حدث فعلاً قبل ذلك؟ أم أنها مجرد إرهاصات ذهنية ليس لها علاقة بالواقع؟”.

 

منذ عدة أيام قام أمينا شرطة بخطف فتاة والاعتداء عليها جنسيًّا داخل عربة شرطة. تم الإفراج عنهما بكفالة قدرها ألف جنيهًا قبل ظهور تقرير الطب الشرعي الذي أثبت بعد ذلك وقوع الاعتداء الجنسي من قبل الرجلين على الفتاة.

 

 

تتكرر المأساة وتتكرر معها التفسيرات الجهنمية والوجوه المنافقة التي تسعى فقط لتبرئة وجه السلطة بشتى الطرق الممكنة وغير الممكنة. تخرج علينا إحدى الكائنات المشكوك في آدميتها لتبرر موقف أميني الشرطة عن طريق إلصاق التهمة بالفتاة التي تم الاعتداء عليها واستخدام استراتيجية “إيه اللي وداها هناك؟” التي أثبتت فاعليتها سابقـًا.

 

تقول أماني الخياط إن هناك مؤامرة ضد قطاع الشرطة من خلال استهداف فئة أمناء الشرطة على وجه الخصوص وإيقاعهم في الفخ لتشويه صورة الشرطة المصرية الطيبة المنزهة عن كل سوء، وأن مثل هذه الحوادث هي مجرد حوادث عادية تقع في أي مكان فلا ينبغي علينا تضخيم الأمور. بالطبع هناك من يردد وراءها تلك الكلمات.

 

استمرت مثل هذه الحوادث لأن من ارتكبها سابقـًا لم يعاقب على فعلته، بل وجد من يبرر له حسن نيته وطهارة ذمته. استمرت وستسمتر طالما أن القانون الذي يحكم المجتمع يتم تطبيقه بشكل انتقائي يسمح بإفلات من يرتدون زيًّا معيّنـًا دون عقاب، ووجود أشخاص قد تجرّدوا من إنسانيتهم يلومون الضحية ويلقون بجميع التهم على كتفها الذي تم انتهاكه.

 

سيظل هناك دائمًا من يبرر القتل والاغتصاب والسحل، وسيظل هناك من يقتل ويغتصب ويسحل دون عقاب؛ طالما أن الحكومة تتعامل تجاه تلك القضايا كالأم العنصرية التي لا تعاقب أبناءها ممن يرتدون الزي العسكري إذا هم أخطأوا في حق من يرتدون العبايات المدنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد