زعتر بري وزهرة مدائن

منذ صغري اعتدت كل صباح أن أستيقظ على رائحة مغلي الزعتر البري أو أزهار البابونج ترافقها أنغام زهرة المدائن لفيروز. نعم هكذا اعتادت أمي وعودتنا معها أن نبدأ صباحنا، على الرغم من أنها ليست فلسطينية (فأنا من أب فلسطيني وأم سورية)، ولكنها كانت تعشق فلسطين بكل تفاصيلها فلك أن تتخيل يومها، صباحها يبدأ بزعتر بري فلسطيني ممزوج بزهرة المدائن لفيروز، ومساؤها ينتهي بـيا دامي العيني والكفين إن الليل زائل، للراحل محمود درويش.

كامل التراب الفلسطيني

لك أيضًا أن تتأمل جدران منزلنا فلا تكاد تشاهد حائطًا يخلو من خريطة لكامل التراب الفلسطيني هنا أو صورة لحنظلة هناك، لوحتان للمسجد الأقصى إلى جانبه قبة الصخرة تزينان صدر منزلنا إلى جانبهما لوحة مطرزة بالخرز البرّاق تحاكي فتاة ريفية فلسطينية انسدل شالها على كتفها راسمًا خريطة فلسطين التاريخية، هذه اللوحة بالذات أجد فيها تفردًا لا يوجد في غيرها من لوحات منزلنا، كيف لا ووالدتي هي من طرزت هذه اللوحة وزينتها بلمساتها المتيمة بحب فلسطين.

كنزة صوفية بألوان علم فلسطين

لم تكن أمي تكتفي بالتعبير عن حبها لفلسطين ولعدالة هذه القضية بتعليق اللوحات على جدران منزلنا أو الاستماع لمحمود درويش ومارسيل خليفة أو حتى قراءة روايات الراحل غسان كنفاني، بل لا أزال أذكر إلى اليوم كيف كانت تصتحبني أنا وأخي الصغير في كل مسيرة وتظاهرة أو حتى وقفة تضامنية لأجل فلسطين، بالرغم من كل المسؤوليات التي كانت مترتبة على عاتقها من منزل وعمل و… كانت تضع فلسطين دومًا في أولوياتها.

 لا يمكن أن أنسى تلك الكنزة الصوفية التي تحمل علم فلسطين وألوانه التي حاكتها والدتي لي ولأخي بيديها المباركتين لكي نرتديها في المسيرات الشعبية والوقفات التضامنية التي كانت تخرج بين حين وآخر في مدينتنا وأحيانًا آخرى تنطلق من مدرستنا للتضامن مع فلسطين والشعب الفلسطيني.. سنة تزيد أو تقل استغرقت والدتي حتى أتمت لنا حياكة تلك (الكنزات الصوفية) التي كنت كلما ارتديتها انتابتني مشاعر عزة وشموخ ممزوجة بالدفء والحنان؛ فهي من جهة تحمل علم فلسطين وألوانه، ومن جهة أخرى تحمل رائحة أمي ولمسات يديها.

عيوننا إليك ترحل كل يوم.. فلسطين.. أمي

نعم هكذا تربينا وكبرنا على عشق فلسطين، بل ورضعنا حبها، عيوننا إليك ترحل كل يوم يا فلسطين، نعم لست قادرًا على رؤيتك ولا الصلاة في أقصاك ولا تنفس عطر ليمونك ولا حتى أن أمرغ خدي في ثرى ترابك المقدس يا زهرة المدائن، ولكن قلبي وروحي ومخيلتي كما عيناي ترحلان إليك كل يوم، كل يوم.

ها أنا أتم عامي الثالث بعيدنا عنك يا أمي كما أتممت عامي السابع والعشرين بعيدنا عن فلسطين، ولكن عيناي ترحل إليك كل يوم يا أمي كما فلسطين، حواسي الخمسة ترحل إليك يا أمي كل يوم لتشتم عطر الزعتر البري التي تعده يداك الطاهرتان وتلامس حرير وجهك وترشف عطر يمناك وتصغي إلى صوتك الملائكي يغني زهرة المدائن (عيوننا إليك ترحل كل يوم).

أيا صلاح الدين سيف تؤجره فإن سيوفنا أصبحت خشب، أيا صلاح الدين عجل فإن نارا في روحي وقلبي اشتياقا للقدس وفلسطين تشتعل، هل أراكِ فلسطين، هل أراكِ يا قدس وأمرغ في ثرى ترابك خدي حين ألقاكِ.

كم أتوق يا أمي لرؤيتك كما رؤية فلسطين، أليس الليل زائل والقلوب تجتمع، ألست أرى فلسطين وأراك، ألسنا نصلي في القدس سوية وتنشدي لي زهرة المدائن، عيناي ترحل إليك كل يوم يا أمي يا فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد