يتعرض الأزواج لضغط هائل من طرف محيطهم فيما يخص موضوع الإنجاب، لا من حيث مدة الإنجاب ما بعد الزواج ولا من حيث عدد الأبناء، ولا من حيث انتقاد كيفية التربية وتوزيع المهام بين الأب والأم.

من بين حالات الطلاق التي مرت علي هي حالة طبيبة رفضت أن تتخلى عن مهنتها لكي «تتفرغ لرعاية طفلها» نزولًا عن رغبة أقارب زوجها، إيمانًا منهم بأنها يجب أن تتفرغ تمامًا لابنها لأن زوجها مقتدر ماديًّا، و لا حاجة لها بالعمل.

هذه الإشكالية يتفرع منها موضوعان أساسيان؛ أولهما يتناول أحكام القيمة التي تمس الأم العاملة والتي تصنفها على أنها أنانية ومادية وتفضل عملها على ابنها. والثاني يكمن في ربط المستوى الاجتماعي للرجل بعمل المرأة من عدمه.

مبدئيًّا انتقاد مشكلة اجتماعية معينة يستوجب تحليل جذور المشكلة، لا إلقاء اللوم على قشورها. ومن ثم كان من المفروض أن يوجه اللوم للنظام الرأسمالي ولأصحاب رؤوس الأموال، بوصفهم قادرين على توفير فضاءات للأطفال بحيث لا تنفصل الأم عن طفلها خلال السنوات الأولى. وهناك تجارب أثبتت نجاح هذه الفكرة في الدول التي تهتم بالقيمة الإنسانية للفرد نفس اهتمامها بإنتاجه ومردوديته، أي إنهم استطاعوا توفير أماكن تراعي طبيعة المرأة وظروفها والتزاماتها الأسرية.

في ظل غياب هذه الأمور لا يمكننا أن نضغط على المرأة العاملة وأن نخضعها لتصنيفات على هذا الأساس فهي إما ربة بيت جيدة وإما هي أم مقصرة تفكر فقط في نفسها، فهذا تفكير سطحي للغاية.

الغريب في الأمر أن الرجل لا يتعرض للضغط من الناحية الأبوية إلا من الناحية المادية، علما بأن التوازن العاطفي للطفل يستوجب حظور وحنان الأب كذلك.

أي سيدة اختارت أن تكون ربة بيت هي امرأة عظيمة وتقوم بمهمة نبيلة، ولطالما طالبت بأن تكون لربات البيوت رواتب من الدولة وحقوق قانونية أكثر، ولا أحد يحق له التقليل من شأن ربات البيوت. ولكن في المقابل لا أحد يحق له التدخل في خيار سيدة قررت التوفيق بين شيئين تحبهما؛ أسرتها وعملها.

الوعي الجمعي بفكرة الإنجاب جد منخفض، يربط الإنجاب بالاعتناء المادي وعدد الساعات التي يتم قضاؤها مع الطفل لا بجودة هذه الساعات، إذن عوضًا عن انتقاد وتيرة وجود الأم قرب طفلها بعد الإنجاب، كان من الأنسب أن يتم التساؤل عن أهلية هذه المرأة ثقافيًّا وإنسانيًّا ونفسيًّا أن تصبح أمًّا وأن تنشئ جيلًا معمرًا في الأرض، فنشأة الطفل تقوم على وعي ونضج المربي، وهذا النضج هو أساسًا نتاج لتجارب اجتماعية، فالعمل يحقق عند الإنسان إدراكًا اجتماعيًّا عاليًا، فنشأة  الأطفال أصبحت قائمة على الوعظ الديني والوعظ الدراسي، وحتى الأسلوب الوعظي يبنى على الترهيب وربط الآخرة بالعقاب، فأصبح الطفل يكوِّن عقدًا مرتبطة بالدين والدراسة، وهذا راجع لأن الأمهات لا أساسيات لديهن.

أما عن مسألة ربط المستوى الاجتماعي للزوج بعدم حاجة زوجته للعمل فهي تحمل في طياتها الكثير من الذكورية والإقصائية، لماذا لا نستوعب أن المرأة كذلك لها طموحات وأهداف أخرى في الحياة إلى جانب الأمومة؟ لماذا لا نستوعب أنها كائن مستقل معنويًّا عن الرجل وأن المستوى المادي لهذا الأخير لا علاقة له بتحديد مصير زوجته؟

الاستحقاق الذاتي الذي تحققه المرأة من خلال نجاحاتها تجعلها في صحة نفسية جيدة، وهذا سينعكس لا محالة على تربيتها لأبنائها .

سبب آخر لرفض التبعية المادية؛ هي عدم ديمومة الشخص المعيل، فهذا الزوج معرض كذلك لتقلبات الحياة من فقدان عمل أو مرض أو حادث أو وفاة.

أنا عن نفسي أحب جدًّا الأطفال ولدي رغبة جامحة في أن أصبح أمًّا، لكني أحب كذلك المحاماة وأحب الوقع الذي تخلفه المحاماة على حياة الناس المستضعفين، ولا أرى نفسي مجبرة على التخلي عن مهنتي يومًا ما نزولًا عند رغبة محيطي.

من بين الأفكار التي راودتني خلال كتابة هذا المقال والتي من الممكن أن تكون موضوع كتابة المقالات القادمة، هي تعامل المجتمع العربي مع المرأة العاملة على أنها تعيسة ومجبرة على العمل لأنها لا تجد رجلًا تعتمد عليه في محيطها، وفكرة أن الأزواج الذين لم ينجبوا ليسوا راضين عن واقعهم وليسوا سعداء نهائيًّا، في حين أن عدم الإنجاب كذلك قرار وليس دائمًا إكراهًا.

 وسط هذه البينية الاجتماعية التي يتخللها التدخل في شؤون الآخر والأحكام الجاهزة، يجب أن يبني الفرد قوة ومناعة نفسية تمكنانه من التصرف بما ينسجم مع مبادئه وقناعته بعيدًا عن مستنقعات القيل والقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد