عندما رزقني الله بطفلي أسامة كانت أحوالي النفسية والصحية في أصعب حال؛ فقدت أختي المقربة أسماء في حادث مفاجئ قبل ولادته بثلاثة أيام، وشعرت بأن الأرض تتصدع من تحت قدميّ، وكأنني أهوي من حالق ولا أجد أي شيء أتشبث به لأنجو من تلك المحنة، كان الموت وقتها أقرب لقلبي من الحياة وكنت أنظر لعيونه الصغيرة التي ترمقني في فضول فأتألم، توقيت خاطئ تماما لاقتحام هذا الصغير عالمي.. هكذا ظننت.

لأول مرة جربت تلك المشاعر الجارفة دفعة واحدة وجاءت كما يأتي السيل لتحطم كل شيء وتعيد بناءه في داخلي، كأنني قبله كنت أرضا قاحلة يغطيها الجدب فلما جاء المطر معه اخضرَّت أركاني وساد الصخب، قبلة الحياة التي أعادتني من أحزان الفقد العميقة، ذلك الزلزال الذي يضرب دنيا النساء لأول مرة عندما ينجبن ليقول بكل وضوح أن الجسد الذي يمتلكنه صاحب الغاية العظمى في الحفاظ على عالم البشر وشكل الحياة.

رأيت أمي الحبيبة أطال الله عمرها وهي التي ناهزت الخمسين من عمرها مع حقائب سفرها قاصدة أختي في بلد آخر لتعينها في أول مشوار الأمومة، رمقتني بنظرة هم حقيقي وهي تنزل بخطوات بطيئة سلم بيتها في طريقها للمطار، لم تنته وظيفة الأمومة أبدًا، لم تخرج للتقاعد بالرغم من أن جسدها وعمرها لم يعودا كما كانت ونحن صغار، لكن لا زالت الحاجة لها ماسة، ولا زلنا أطفالا ننتظر منها العون، كما أمدتنا به طيلة حياتنا.

إن الأمومة وظيفة شاقة صاحباتها محكومات بالمؤبد، والكلام المثالي عن أننا خلقنا لنسعد بها كلام أبعد ما يكون عن واقعنا، بل خلقنا لنبتلى بها، ونشقى فيها، ونصمد في كل مراحلها، ونعاني مع الصغار ولا نراهم قد كبروا أبدًا! حتى يأتي الموت فنرحل وقلوبنا معلقة بذكرى الأنامل والعيون الصغيرة التي احتضنتها أرواحنا وبذلنا لها ما لن يبذله لها أحدٌ يومًا، وإن فطرتنا في حمايتهم لا منتهية ومؤلمة تماما كما هو مؤلم أن تنشق الأرض وتتشقق كل أركانها لتخرج منها فروع وأغصان تطال عنان السماء.

صديقتي فاطمة أنجبت بعد رحلة عظمى مع الألم ومحاولات شاقة، إن الأمومة في دم النساء دين ودولة، لا تدعي امرأة مهما طالها من هم تنشئة الصغار أنها لا تريد أن تحظى بالمزيد، مع الاضطرابات السياسية لبلادنا عقب الانقلاب اضطر ولدها الوحيد إلى مغادرة البلاد، واستيقظت على حقيقة أن النظام سيطارد كل معارض حتى يقتله أو ينفيه في معتقل.

هرب بحياته وهو لا يعرف أنه قد حمل قلب أمه في حقيبة السفر، تأثرتُ جدا بحكاياها عن حياتها كأم أسرتني أمومتها كأكثر ما يكون، إن التي تمضي في مشوار الأمومة وحيدة لا يعينها على أمرها سوى الله هي الصورة الأعظم لمعجزات هذا الزمان. جاء صديقتي خبر أن ولدها يمر بأزمة صحية تطلبت تدخلا جراحيا عاجلا في غربته، وأبصرت في عينيها كيف يكون هذا الألم الأمومة والغربة لا يجتمعان، كيف يشق الجرَّاحُ جسدًا هي صاحبته، قد أعطوا ولدها مخدرًا لكن ألمها هي لا مخدر له، الأم التي أرسلت ولدها لبلاد الغربة الباردة لتمنحه حق الحياة عندما صار الموت فرضًا أسود في بلده هي ثورة هذا العصر ومرجله الذي يغلي وإن لم يبصر غليانه أحد، إن الصبر والاحتساب والتسليم بأقدار الله يأخذ شكلا فردوسيا لتلكم الأمهات.

سألتني صديقة متى تنتصر الثورة؟ وبعد تفكير قلت أنها ستنتصر حتما على يد النساء، المرأة أم بفطرتها، تكوينها الجسدي يخبرها منذ الطفولة أنها أعدت لتلك الرسالة الخطيرة، وأنها ستحمل شعلة الحياة للكون وإن احترقت بها كل يوم،عندما تتحرر النساء من الأسر والأغلال الفكرية والمجتمعية التي تكبلهن، عندما تشعر كل أنثى بعظمة فطرتها وروعة أن تكون هي صاحبة اليد التي تهز المهد وتعلم الصغار طريق الله، عندما تكون الصلة بالخالق هي الزاد الحقيقي الذي يقر في قلوبهن، عندما تتورط كل أم في معرفة حقيقية بما يحدث حولها وبما يسلبونه من مستقبل أبنائها، يومها فقط ستنتصر الثورة.

إن النساء اللاتي نزلن في الثورة الفرنسية حاملات لأواني الطهي والمكانس، سلاحهن في تلك الثورة كان المعرفة بالعدو الحقيقي واللص الذي سرق من أطفالهن حق الحياة. صديقتي فاطمة صاحبة الهم الصابرة تصلي كل يوم ليعود ولدها من غربته، ولتعود بلادها من الهاوية التي سقطت فيها لا أحد يعرف إلا الله كم أم تنتظر مطلع ذلك الفجر، أتمنى من الله أن لا يفرقني عن ولدي وأن يرد غائب كل أم فارقت ولدها قسرًا وفضلت حياته على أمومتها.

معلومة يتداولها رواد التربية تعلمتها منذ زمن؛ أن نجاح المربي في التربية مشروط بإمكانية نجاة ولده بدونه، أن يتعلم الصغار الحياة متوكلين على الله ثم على أنفسهم، لكن للأمومة دائمًا رأيًا آخر، إن قلوب الأمهات تحترق لتضيء الطريق للأطفال، وتحترق شوقا لهم إذا ما شب كل صغير وسار في طريقه مبتعدا، لهذا فالإسلام قد أقر تلك القاعدة الإنسانية العظمى أن الرجل لأمه والمرأة لزوجها، حتى تكون ثمرة عمل النساء في الصغار هو ما يحفظ لهن حق السعادة والأمان في ظل حمايتهم لهن كبارًا.

رأيت النساء في غزة يربين الذكور على حب الجهاد مربوطين بساحات المساجد، ويربين الفتيات على حب حلقات القرآن والعلوم الشرعية في المسجد أيضًا، إن غراس التربية التي بدأها أصحاب الفكر في غزة وشرف بتنفيذها الأمهات الفدائيات هناك يشرق هذه الأيام في أن يكون ذلك البلد المحاصر هو الوحيد الذي يحظى بعزة واستقلال رغما من كل ما يضربونه حوله من حصار. إن كانت الاجابة القديمة على ثورة الياسمين التي فشلت في مصر هي تونس، فالإجابة الحديثة التي نحتاج جميعا أن نقرها ونعمل على تمكينها هي وعي الأمهات، والإجابة على نجاح الناس في المقاومة حتى الرمق الأخير هي غزة. أرسلوا لأوطاننا جيشًا من الأمهات يبذل من عمره في تعليم الصغار كيف يكون أخذ الحق وكيف هو شكل الحب الذي يحرض على جهاد يغلف أركانه أم في محرابها ساجدة تصلي للأبناء وللوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد