كتب الشاعر الدغستاني، رسول حمزاتوف «شيئان يستحقان المنازعات الكبرى؛ وطن حنون وامرأة رائعة». لكن ماذا عن الأوطان القاسية؟ من سينازع عنها؟ ماذا عن الأوطان التي تنازلت عن تتبع كآبتها للأبد؟ ووضعت يدها في أيدي العرابين الجدد للثورة؟ ماذا عن الأوطان التي غيرت عنوانها، ثم تنكرت لقضية شعبها؟ ماذا عن الأوطان الضائعة والأوطان التي ضيعتنا؟

الوطن بالنسبة للجندي بندقيته، وللمزارع أرضه، وللمغني عوده أو صوته، وللشاعر قصيدته، وللطفل لعبته، وللبحار سفينته، وللسياسي كرسيه، وللصّ محفظة نقوده، ولي الجندي والمزارع والمغني والشاعر والطفل والبحار والسياسي واللصّ.

الوطن ما لم نمتلكه يومًا، أو ما فقدناه قبل أن نمتلكه.

في ممر جبلي بالقرب من مدينة غرناطة يوجد حجر كتب عليه باللغة الإسبانية «زفرة العربي الأخيرة». في ذلك المنفذ الجبلي المطل على المدينة، وقف آخر ملوك بني الأحمر يبكي سقوط الأندلس بعدما سلم مفاتيحها للملكين الكاثوليكيين، ثم زفر زفرته الأخيرة وهو يحدق في الطريق الجبلي المؤدي إلى غرناطة، قالت له أمه حينها «فلتبك كالنساء ملكًا لم تستطع أن تحافظ عليه كالرجال».

منذ ذلك اليوم سقطت الأندلس ألف مرة، ونحن ما زلنا نبكي ملكنا الضائع، ربما قدرنا المشؤوم ألا ندرك أن في حياتنا وطنًا لا نستطيع العيش من دونه إلا إذا فقدناه، وأنا أيضًا لم أكن أعتقد أن لدينا كل هذا العدد من الأوطان إلا عندما بدأت أفقدها وطنًا تلو الآخر. والآن أتساءل «ما الذي بقي في وطن ذهبت قدسه، بغداده، دمشقه، وأندلسه؟».

لقد كان بنا دائمًا حنين إلى الوطن المهدور، قصة الحب التي لم نعشها، الطفل الذي لم يأت، القصيدة التي لم تنتهِ، والكتاب الذي لم نقرأه، لذلك نعتقد دائمًا أننا في حاجة لحب فلسطين. لم تكن فلسطين أرضًا محتلة عندما وزعت الأوطان على مستحقيها، وعندما نقف أمام التلفاز نحن في حاجة أن نتساءل عن الذنب الذي قد يقترفه الطفل الفلسطيني ليتحمل كل أشكال الظلم والقهر في مواجهة عدو يتقن جيدًا تقمص دور الذئب والحمل الوديع في نفس الوقت، كم من طفل يجب أن يقتل ليتكسر غشاء عروبتنا؟ هل فكرنا يومًا أن أولئك الذين يموتون على شاشة التلفاز هم أكثر من أرقام لجثث مجهولة الهوية؟ هل افترضنا يومًا أنهم بشر من لحم ودم ووطن؟

إذا كان ما يحدث لأوطاننا قدرًا، فقد مللنا قدرنا العربي. لقد ضقنا بالوطن ذرعًا، وضاق بنا ذرعين. أفكر أحيانًا في نوبة يأس عابرة ماذا لو تنازلنا لهم عن كل شيء، عن الوطن ومشتقاته، عن ابتسامة الطفل الضائعة، عن التاريخ ومآثره، عن المعلقات السبع، عن كتاب ألف ليلة وليلة، عن حدائق  بابل المعلقة، عن سيف علي، عن سعادة اليمن المزيفة، عن مجدنا الملطخ بالخيانات والفضائح، عن الحاكم وحاشيته، لكني أتساءل سريعًا «هل كانوا سيتركوننا وشأننا؟».

سأقترح عليهم إذن أن نأخذ إجازة جماعية من مشاعر الحقد وأعمال القتل والحرب، ستكون إجازة قصيرة نجلس فيها معًا في انتظار القطار التالي، أو نقرأ فيها رواية دون أن نختلف حول عنوان الكتاب ونوايا الكاتب، قد نقرأ إحدى روايات مارك توين الذي كتب رسالة قصيرة وأرسلها إلى عشر شخصيات مرموقة في الولايات المتحدة نصّها «اهرب.. لقد اكتشفوا أمرنا»، ليكتشف في صباح اليوم التالي أنهم قد غادروا البلاد جميعًا.

الوطن لا ينتسب لأولئك الذين لا يترددون في التخلي عنه كلما سنحت الفرصة لذلك، الوطن حكر على أولئك الذين على استعداد دائم للتضحية من أجله، لكن لمن يبقى الوطن إذا مات الذين ينتسب إليهم على أيدي الذين ينتسبون إليه؟

العراق كانت تنتسب لعلمائها، لكن عندما سقطت بغداد انحنت آخر النخلات في أرض العراق احترامًا للعم سام، ثم أدركنا بعد ذلك أن بغداد لم تسقط إلا عندما شرعت أبواب الدول العربية على مصراعيها للرجل الأبيض القادم من وراء البحار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد