في زمنٍ لا يَربط الحُب إلا بالعشاق، ولأن الحُب قلّ فقد جعلوا له يومًا يحتفلون به، ثم يعودون للواقع القبيح لممارسة عاداتهم اليوميّة في الكُره، كذلك فعلوا بالأمّ خصصوا لها يومًا يتذكرونها ويحتفلون بها، ثم يعودون لممارسة عاداتهم اليوميّة في العُقوق!

الأمُّ ليست مجرد كلمة عابرة ولا قصيدةً طويلة؛ لإنه ما من كلمة ولا قصيدة تعبّر عن معناها كما تستحق، انظروا لعظمة حرف الميم، كأنما حرف (الميم) استثناءٌ من بين جميعِ حروف اللغة العربية، فعلى اختلاف الصيغة إلا أن هذا الحرف جمع كل معاني الاطمئنان فيه، «ماما، أمي، يما، مام»، تصف كلمة (الأم) امرأة تُطعِم أطفالها على حساب جوعها، وتسهر على حساب نومهم، وتبكي من أجل ابتسامتهم، فأصبحت الأمومة صِفة تشريفٍ تُلصق بالأم، لتعبّر عن كل هذا.

في «عيد الأم»، ننقسم إلى ثلاثٍ، فنكون إما من يجمع من مصروفه المدرسي اليومي أو راتبه فيشتري بما جمع هدية لوالدته، أو نكون ممن فقد والدته، فيسترجع في هذا اليوم ذكرى يوم فقدان الحبيبة، يختفي عن الأنظار قدر المتسطاع حتى لا يُنزل دمعة فيصبح صريخه صدى وجعٍ على ما فقد أمام الناس، وأما الثالث فهو الجاحد لنعمة لم يقدرّها، يتّصل في هذا اليوم على أمه، يبارك لها بحلول «اليوم الفضيل» ثم يسألها إذا ما كانت بحاجة لأمر أو مبلغ مالٍ أو ما شابه، ستخبره أمه بأنها لا تحتاج منه شيئاً، بينما قلبُ الأم في أمّه يقول بغصة المرأة الثكلى أنه والله لا يحتاج لا لمال ولا لهدية، يكفي فقط أن ترى أولادها بجانبها، ربما ليحدثوها وتحدثهم وربما لمجرد أن تنظر لهم أو تلاعِبَ أحفادها، فحقاً ما حاجة أمٌّ كبيرة في السّن للمال؟!، يقولون يعود الإنسان طفلاً عندما يشيخ، وفي هذه الفترة لا تُعود تلك الأمور التي أحنت ظهره و كدّ ليحصل عليها، المال والسيارة والبيت والاستقلالية والترقيات في العمل، يعود طفلًا صغيرًا لا يحتاج سوى الحب!

الأمّ تاجٌ على رؤوس من لم يفقدها، لا يراها سوى الفاقدون لها،و لا ننسى أن الرّسول -صلى الله عليه وسلم- فضّلها بمكانتها فهي أحق في صحبتها بثلاثِ منازل، فمن يكون هذا الشخص أو ماذا يكون هذا الشيء الذي احتلّ المرتبة الأولى في قلبك؟!، أأعطاك حبًّا كما أعطته، أم باع وقته في سبيل راحتك كما باعته أمك لا بل تصدّقت لأجلك به؟!

قلب الأم ليس فقط مليئًا بالمشاعر الصّادقة النادرة، بل إن حب الأم لولدها لا يضاهيه أو ينافسه حبٌ في العالم، لكن المشكلة في أن الإنسان يظلُّ متناسيًا لنعم الله عليه، حتى تكاد تنفد أو عندما ينتهي أجلُ هذه النعم، أُعزي سبب هذا إلى أننا عندما نعتاد على النعم ننساها، وننسى شكر الله لإنه وهبنا إيّاها، لا نقدّرها إلا عندَ الفقد، عندها تصبح النّعمة ذِكرى وصور لا يتذكرها الفاقِد إلا بغصة على ما فرّط من التنعّم والتأمل فيها، وخصوصًا عندما تكون النعمة لا تُعوّض، كقلب الأم مثلًا.

لَقميصٌ تُخطيه لك أمك خير لك من لبس الماركات العالمية، وطبقٌ تُعدّه لك أمك خير لك من أطباق أشهر الطباخين في العالم، فليْس هُنا مِعيارُ التصنيف الجودة وإنما هو مقدار الحُب الموضوعِ في الشيء المَصنوع.

فدَعونا دائمًا نتذكر هذه النعمة وأن نقدّرها بتبادل الحبّ معها، فلا أصعبَ من اشتياق بعد زوال أبديّ، لن يكون هُناك مجالٌ لكلمة عُذر ولا لقبلة فخر ولا لفضفضة ارتياح، فقط ستكون المشاعر محصورةً في الذكريات، حينها لن يكون غيثٌ مُنقذٌ منها، لأن كل البحور تجف بعد الفقد!

تذكّر هذه النعمة العظيمة فالعمرُ ماضٍ لا محالة، يقول المعرّي:

العيْـشُ ماضٍ فَأكرمْ والديْكَ بِـهِ

والأُم أولى بإكـرامٍ وَإِحـسانِ

اللهم ارضِها علينا تمام الرضى، وأعنّا على خدمتها لآخر رمقٍ تنبض به قلوبنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عيد الأم
عرض التعليقات
تحميل المزيد